ما ادعيناه أن كل عاقل عرف العادة وخالط الناس يعلم ضرورة أن وجود الرئيس المهيب النافذ الأمر السديد التدبير يرتفع عنده التظالم « 1 » .
واستدل أصحابنا على وجوب الإمامة في كل عصر أنّ شريعة نبينا صلى اللّه عليه واله وسلّم مؤيدة غير منسوخة إلى يوم القيامة ، فلا بد لها من حافظ ، لأنه لو جاز أن يخلى من حافظ جاز أن يخلى من مؤدّ ، فما اقتضى وجوب أدائها يقتضي وجوب حفظها « 2 » .
وهذا الدليل بنفسه يقتضي ولادة هذا الإمام ليصدق حفظ شريعة محمد إلى يوم القيامة .
* * *
علة غيبة الإمام الثاني عشر عجل اللّه فرجه
لم تكشف الأخبار عن حكمة الغياب المطلق المقدس للإمام المنتظر أرواح العالمين فداه .
قال عبد اللّه بن الفضيل : سمعت الصادق جعفر بن محمد عليه السّلام يقول : « إنّ لصاحب هذا الأمر غيبة لا بدّ منها يرتاب فيها كل مبطل » .
فقلت له : ولم جعلت فداك ؟
قال عليه السّلام : « لأمر لم يؤذن لنا في كشفه لكم » .
قلت : فما وجه الحكمة في غيبته ؟
فقال عليه السّلام : « وجه الحكمة في غيبته ؛ وجه الحكمة في غياب من تقدمه من حجج اللّه تعالى ذكره ، إن وجه الحكمة في ذلك لا ينكشف إلّا بعد ظهوره ، كما لا ينكشف وجه الحكمة لما اتاه الخضر من خرق السفينة وقتل الغلام وإقامة الجدار لموسى عليه السّلام إلّا وقت افتراقهما .
يا ابن الفضل : أنّ هذا الأمر أمر من أمر اللّه ، وسر من سر اللّه ، وغيب من غيب اللّه ، ومتى علمنا أنه عزّ وجلّ حكيم ، صدّقنا بأنّ أفعاله كلها حكمة وإن كان وجهها غير منكشف لنا » « 3 » .
ويعلم من هذه الرواية عظمة سرّ الإمام المهدي وحركته .
كما ويعلم منها عدم استحالة الغيبة إذ وقعت من كثير من الحجج السابقة أمثال إدريس وإبراهيم ونوح ويوسف وموسى وما بعده من الأوصياء على نبينا وآله وعليهم أفضل التحية والسلام « 4 » .
هامش
( 1 ) أعلام الورى : 162 .
( 2 ) الذخيرة في علم الكلام : 424 .
( 3 ) البحار : 52 / 91 ، وكمال الدين : 2 / 482 باب 44 ح 11 .
( 4 ) فصّل ذلك الصدوق في كمال الدين مع روايتها : 1 / 127 إلى 159 الباب الأول وما بعده .