هل ولاية اللّه التكوينية قابلة للتفويض ؟
قدرة اللّه شاملة لتفويض الإرادة وهو ممكن عقلا ، ويدل على الإمكان الحديث القدسي المروي في صفة أهل الجنة : « من الحي القيوم الذي لا يموت إلى الحي القيوم الذي لا يموت ، أما بعد فإني أقول للشيء كن فيكون قد جعلتك اليوم تقول للشئ كن فيكون » « 1 » .
نعم إنما الكلام في الوقوع وهو الهدف من هذه الدراسة المختصرة .
وبدوا نجد أنّ القرآن الكريم يحدثنا عن عدة وقائع تثبت إعطاء اللّه التصرّف الكوني لبعض عباده : قال تعالى لعيسى عليه السّلام :
إِذْ تَخْلُقُ مِنَ الطِّينِ كَهَيْئَةِ الطَّيْرِ بِإِذْنِي فَتَنْفُخُ فِيها فَتَكُونُ طَيْراً بِإِذْنِي
« 2 » .
فهذا نص صريح في خلق النبي عيسى عليه السّلام للطيور ، وهو إيجاد بعد عدم ، وتصرف في الكون غير متعارف فهو تفويض في أمر تكويني .
وقال تعالى :
إِذْ قالَ الْحَوارِيُّونَ يا عِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ هَلْ يَسْتَطِيعُ رَبُّكَ أَنْ يُنَزِّلَ عَلَيْنا مائِدَةً مِنَ السَّماءِ
. . .
قالَ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ اللَّهُمَّ رَبَّنا أَنْزِلْ عَلَيْنا مائِدَةً مِنَ السَّماءِ تَكُونُ لَنا عِيداً لِأَوَّلِنا وَآخِرِنا ، وَآيَةً مِنْكَ وَارْزُقْنا وَأَنْتَ خَيْرُ الرَّازِقِينَ قالَ اللَّهُ إِنِّي مُنَزِّلُها عَلَيْكُمْ
« 3 » .
* * *
معنى الإذن الإلهي
يتصرّف أولياء اللّه بإذنه تعالى تصرفا موافقا لإرادته ، لأنهم لا يريدون إلّا ما أراد اللّه ، بعد أن أصبحوا قاب قوسين أو أدنى من جلال اللّه وعظمته بسبب قربهم من اللّه تعالى .
وكلما كان العبد قريبا من الحق تعالى كانت إرادته أقرب لإرادة اللّه تعالى ، وموافقة لها ، وكان تصرفه في الكون أشمل وأوسع وكانت مظهريته لولاية اللّه أظهر وأقوى .
والآيات القرآنية والأحاديث الشريفة تؤكد هذا المعنى ، وإن التصرفات التي كانت تصدر عن الأولياء أصحاب القرب من اللّه كانت تصرفات عن إذن اللّه تعالى وتحت سلطانه وقدرته قال تعالى :
وَما رَمَيْتَ إِذْ رَمَيْتَ وَلكِنَّ اللَّهَ رَمى .
وقال امامنا الصادق عليه السّلام : « لا جبر ولا تفويض بل أمر بين أمرين » ففي حين أنّ الرسول الأعظم يرمي نسب سبحانه الرمي إليه .
هامش
( 1 ) بحار الأنوار : 93 / 376 ، وشرح دعاء الصباح : 159 ، والانسان الكامل : 62 .
( 2 ) سورة المائدة ، الآية : 110 .
( 3 ) سورة المائدة ، الآية : 112 - 115 .