والحاصل أنّ أحكامهم الشرعية منوطة بالعلوم الظاهرية لا بالعلوم الإلهامية ) « 1 » .
مراده : أنّ الإنسان العادي إذا علم أنّ ما يأكله سم يؤدي إلى الموت فإنّه يمتنع عن تناوله ويتحرّز عنه لعدم علمه بالأسباب الحقيقية للموت وعدم علمه بكيفية موته من غير السم ، إذ لعل الإنسان لو يعلم أنّ موته سوف يقع بأمر أعظم من السم ، أو أنه سوف يموت أمام أطفاله فيما بعد ، لقبل بموته بالسم هذا ولتناوله من أجل أنه اختار أهون الموتتين وأصلحهما له ولعياله .
أمّا أهل البيت عليهم السّلام فهم يعلمون كل التقديرات المكروهة والأفعال التي سوف تحلّ بهم ، فمثلا رسول اللّه صلّى اللّه عليه واله وسلّم عندما خرج إلى المسجد الحرام كان يعلم أنّ كفّار قريش سوف يلقون عليه أثناء الصلاة السل وفضلات الحيوان ، ومع علمه خرج ، وهكذا في كثير من الأمور المكروهة التي تحصل لهم عليهم السّلام .
وعليه فالإمام يتعامل بالظواهر في أمثال هذه الأمور كبقية الناس مع علمه بما يحصل ، لذا ورد الحديث الشريف : « نحن صبر وشيعتنا أصبر لأننا نصبر على ما نعلم وهم يصبرون على ما لا يعلمون » « 2 » .
وعليه ، فعندما عرض على الإمام عليه السّلام العنب المسموم فانّه يتعامل معه على انّه عنب ، ولا يتعامل معه على انّه سمّ مميت تنزيلا لنفسه منزلة الأشخاص العاديين .
وإلّا لو أراد الإمام التعامل معه على أنه سمّ حقيقي لما تناوله وعندها لا يقع عليه القتل أبدا مع علمه أنّ اللّه قد كتبه عليه ! !
هذا ما يمكن أن يواجه به جواب العلّامة المجلسي .
وفيه : انّه إن صح لا يفسّر حقيقة علمهم بموتهم .
على أنّه التزم بأن فعل الإمام تهلكة إلّا أن تكليفه فيها غير تكليفنا نحن فيها ، وهذا غير ملزم لنا للقبول به ، لما يأتي في الجواب الصحيح .
* الجواب الرابع : ما ذكره العلّامة المجلسي أيضا من أنه يمكن أن يقال : ( لعلّهم علموا أنّهم لو لم يفعلوا ذلك لأهلكوهم بوجه أشنع من ذلك فاختاروا أيسر الأمرين ) « 3 » .
أقول : هذا يصح بالنسبة لأمثالنا ، ذلك إننا إذا علمنا بشرّين فإننا نختار أيسرهما .
امّا آل محمّد عليهم السّلام فإن المسألة بالنسبة لهم تختلف ، فإنّ اللّه هو الذي يقدّر أمورهم ، فلو علم
هامش
( 1 ) بحار الأنوار : 48 / 236 تاريخ الإمام الكاظم عليه السّلام .
( 2 ) بحار الأنوار : 32 / 175 ح 132 كتاب 35 .
( 3 ) بحار الأنوار : 48 / 236 .