لقد خضعت واستسلمت وتضاءلت * لعزّة ذي العرش الملوك الجبابر
فالبدار البدار ، والحذار من الدنيا ومكائدها ، وما نصبت لك من مصائدها ، وتحلّت لك من زينتها ، وأظهرت لك من بهجتها :
وفي دون ما عاينت من فجعاتها * إلى رفضها داع ، وبالزهد آمر
فجدّ ولا تغفل فعيشك زائل * وأنت إلى دار الإقامة صائر
ولا تطلب الدنيا فإنّ طلابها * وإن نلت منها غبّة لك صائر
وهل يحرص عليها اللبيب ، أو يسر بها أريب ، وهو على ثقة من فنائها ، وغير طامع في بقائها ؟
أم كيف تنام عينا من يخشى البيات ، وتسكن نفس من يتوقع الممات ؟
ألا لا ولكنّا نغرّ نفوسنا * وتشغلنا اللذات عما نحاذر
وكيف يلذّ العيش من هو موقن * بموقف عدل يوم تبلى السرائر
كانّما نرى أن لا نشور أو إننا * سدى ما لنا بعد الممات مصائر
وما عسى أن ينال صاحب الدنيا من لذتها ، ويتمتع به من بهجتها مع صنوف عجائبها ، وكثرة تعبه في طلبها ، وما يكابد من أسقامها وأوصابها وآلامها ؟
وما قد نرى في كل يوم وليلة * يروح علينا صرفها ويباكر
تعاورنا آفاتها وهمومها * وكم قد ترى يبقى لها المتعاور
فلا هو مغبوط بدنياه آمن * ولا هو عن بطلانها النفس قاصر
كم قد غرّت الدنيا من مخلد إليها ، وصرعت من مكبّ عليها ، فلم تنعشه من غرته ، ولم تقمه من صرعته ، ولم تشفه من ألمه ، ولم تبره من سقمه .
بلى أوردته بعد عزّ ومنعة * موارد سوء ما لهنّ مصادر
فلما رأى أن لا نجاة وأنه * هو الموت لا ينجيه منه التحاذر
تندّم إذ لم تغن عنه ندامة * عليه وأبكته الذنوب الكبائر
بكى على ما سلف من خطاياه ، وتحسر على ما خلف من دنياه ، حين لا ينفعه الإستعبار ، ولا ينجيه الاعتذار ، عند هول المنيّة ، ونزول البلية .
أحاطت به أحزانه وهمومه * وأبلس لما أعجزته المعاذر
فليس له من كربة الموت فارج * وليس له مما يحاذر ناصر
وقد جشأت خوف المنية نفسه * ترددها منه اللها والحناجر