تخطي إلى المحتوى الرئيسي

موسوعة أهل البيت ( ع ) — صفحة 124

مساهمون:

ص١٢٤
كم تخرّمت أيدي المنون من قرون بعد قرون ، وكم غيّرت الأرض ببلاها ، وغيبت في ثراها ممن عاشرت من صنوف الناس ، وشيّعتهم إلى الأرماس .
وأنت على الدنيا مكبّ منافس * لخطائها فيها حريص مكاثر على خطر تمسي وتصبح لاهيا * أتدري بماذا لو عقلت تخاطر وإنّ امرأ يسعى لدنياه دائبا * ويذهل عن أخراه لا شكّ خاسر
فحتّام على الدنيا إقبالك ، وبشهواتها اشتغالك ؟ وقد وخطك القتير « 1 » ، وأتاك النذير ، وأنت عما يراد بك ساه ، وبلذة نومك لاه .
وفي ذكر هول الموت والقبر والبلى * عن اللّهو والّلذات للمرء زاجر أبعد اقتراب الأربعين تربّص * وشيب قذال منذر لك كاسر كأنّك تعني بالذي هو صائر * لنفسك عمدا أو عن الرشد حائر
أنظر إلى الأمم الماضية ، والملوك الفانية ، كيف أفنتهم الأيام ، ووافاهم الحمام ، فانمحت من الدنيا آثارهم ، وبقيت فيها أخبارهم .
وأضحوا رميما في التراب وعطّلت * مجالس منهم أقفرت ومقاصر وحلّوا بدار لا تزاور بينهم * وأنّى لسكان القبور تزاور فما أن ترى إلّا جثى قد ثووا بها * مسطّحة تسفي عليها الأعاصر
كم ذي منعة وسلطان ، وجنود وأعوان ، تمكّن من دنياه ، ونال فيها ما تمنّاه ، وبنى القصور والدساكر « 2 » ، وجمع الأعلاق « 3 » والذخائر :
فما صرفت كفّ المنية إذ أتت * مبادرة تهوى عليه الذخائر ولا دفعت عنه الحصون التي بنى * وحفّ بها أنهاره والدّساكر ولا قارعت عنه المنية حيلة * ولا طمعت في الذبّ عنه العساكر
أتاه من اللّه ما لا يردّ ، ونزل به من قضائه ما لا يصدّ ، فتعالى اللّه الملك الجبار المتكبر القهّار ، قاصم الجبارين ومبير المتكبرين :
مليك عزيز لا يردّ قضاؤه * حكيم عليم نافذ الأمر قاهر عنا كلّ ذي عزّ لعزّة وجهه * فكلّ عزيز للمهيمن صاغر
هامش
( 1 ) القتير : الشيب ، أو أوله ( القاموس المحيط ) . ( 2 ) الدساكر ، هي أبنية كالقصور حولها بيوت ، واحدتها دسكرة ، ( انظر القاموس ) . ( 3 ) الأعلاق جمع علق ، وهو النفيس من كل شيء ( انظر القاموس ) .
موسوعة أهل البيت ( ع ) — صفحة 124 | السيد علي عاشور