والخلف بالتحريك والسكون كلّ ما يجي بعد من مضى ، إلّا أنّه بالتحريك في الخير وبالتسكين في الشرّ يقال : خلف صدق وخلف شر .
وأمّا القياس فقد حققنا في المباحث السالفة أنّ للّه تعالى في كلّ واقعة حكما ، وأن الأحكام مبتنية على مصالح ومفاسد في الأشياء لا تبلغها العقول ولا يعلمها إلّا علّام الغيوب ، ولو تأمّلنا حقّ التأمل في الدّين لرأينا أنّ دين اللّه لم يبن على القياس ، فإنّ المراد بالقياس في المقام القياس الفقهي ، الذي يسمّى في علم الميزان بالتمثيل ، ومبني الشرع على اختلاف المتفقات كوجوب الصّوم آخر شهر رمضان وتحريمه أوّل شوّال ، واتفاق المختلفات كوجوب الوضوء من البول والغائط واتفاق القتل خطأ والظهار في الكفارة . مع أنّ الشارع قطع يد سارق القليل دون غاصب الكثير ، وجلد بقذف الزنا وأوجب فيه أربع شهادات دون الكفر ، وذلك كلّه ينافي القياس وقد قال رسول اللّه :
تعمل هذه الأمّة برهة بالكتاب ، وبرهة بالسّنة ، وبرهة بالقياس ، فإذا فعلوا ذلك فقد ضلّوا وأضلّوا .
وليس القياس إلّا اتباع الهوى وقال اللّه تعالى :
وَلا تَتَّبِعِ الْهَوى فَيُضِلَّكَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ إِنَّ الَّذِينَ يَضِلُّونَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ لَهُمْ عَذابٌ شَدِيدٌ بِما نَسُوا يَوْمَ الْحِسابِ
« 1 » .
ولو تطرق في الشريعة العمل بالقياس لمحق الدّين ، لأنّ لكلّ أحد أن يرى برأيه ونظره مناسبة بين الحكمين ، وغالبا لا يخلو الشيئان عن مناسبة ما ، فيلزم عندئذ تحليل الحرام وتحريم الحلال ، وآراء كثيرة مردية في موضع واحد ، مع أنّ حكم اللّه واحد لا يتغير ، وقد روى شيخ الطّائفة في التهذيب بإسناده عن أبي مريم عن أبي جعفر قال : قال صلوات اللّه عليه : لو قضيت بين رجلين بقضية ثمّ عادا إليّ من قابل لم أزدهما على القول الأوّل لأنّ الحق لا يتغير « 2 » .
وقد دريت آنفا أنّه ليس شيء ممّا يحتاج إليه النّاس إلّا وقد جاء فيه كتاب أو سنة ، وأنّ اللّه تعالى نص في كتابه العزيز ، أنزل في القرآن تبيان كل شيء قال تعالى :
وَنَزَّلْنا عَلَيْكَ الْكِتابَ تِبْياناً لِكُلِّ شَيْءٍ وَهُدىً وَرَحْمَةً وَبُشْرى لِلْمُسْلِمِينَ
« 3 » .
وقال تعالى :
ما فَرَّطْنا فِي الْكِتابِ مِنْ شَيْءٍ
« 4 » .
وغيرهما من الآيات الأخر ، فإذا بيّن القرآن كلّ شيء وكذا السنة ، وإن كان لا تبلغها عقول الرّجال ، فعلينا أن نطلب من عنده علم الكتاب ، وليس لنا أن نختار بالقياس والاستحسان وأمثالهما حكما نفتي به أو نعمل ، فإنّ اللّه حذرنا عن ذلك في كتابه بقوله :
وَرَبُّكَ يَخْلُقُ ما يَشاءُ وَيَخْتارُ ما كانَ لَهُمُ الْخِيَرَةُ سُبْحانَ اللَّهِ وَتَعالى عَمَّا يُشْرِكُونَ
« 5 » .
هامش
( 1 ) سورة ص ، الآية : 26 .
( 2 ) الأصول الأصيلة : 111 .
( 3 ) سورة النحل ، الآية : 89 .
( 4 ) سورة الأنعام ، الآية : 38 .
( 5 ) سورة القصص ، الآية : 68 .