لحوم الناس ، أما واللّه لو شئت ليكوننّ بيننا ما تتفاقم فيه الأمور وتحرّج منه الصدور ثمّ أنشأ يقول :
أتأمر يا معاوي عبد سهم * بشتمي والملأ منّا شهود
إذا أخذت مجالسها قريش فقد * علمت قريش ما تريد
قصدت إليّ تشتمني سفاها * لضغن ما يزول وما يبيد
فما لك من أب كأبي * تسامي به من قد تسامي أو تكيد
ولا جدّ كجدّي يا بن هند * رسول اللّه إن ذكر الجدود
ولا أمّ كأمّي من قريش * إذا ما يحصل الحسب التليد
فما مثلي تهكّم يا بن هند * ولا مثلي تجاريه العبيد
فمهلا لا تهج منّا أمورا * يشيب لها معاوية الوليد
وذكروا أنّ عمرو بن العاص قال لمعاوية ذات يوم : ابعث إلى الحسن بن عليّ فمره أن يخطب على المنبر فلعلّه يحصر فيكون ذلك ممّا نعيّره به ، فبعث إليه معاوية فأصعده المنبر وقد جمع له الناس فحمد اللّه وأثنى عليه ثمّ قال :
يا أيّها الناس من عرفني فأنا الّذي يعرف ومن لم يعرفني فأنا الحسن بن علي بن أبي طالب ابن عمّ النّبي ، أنا ابن البشير النذير السراج المنير ، أنا ابن من بعث رحمة للعالمين وسخطا للكافرين ، أنا ابن من بعث إلى الجنّ والإنس ، أنا المستجاب الدّعوة ، أنا ابن الشفيع المطاع ، أنا ابن أوّل من ينفض رأسه من التراب ، أنا ابن أوّل من يقرع باب الجنّة ، أنا ابن من قاتلت معه الملائكة ونصر بالرّعب من مسيرة شهر . فأفتنّ في هذا الكلام ولم يزل حتّى أظلمت الدّنيا على معاوية فقال : يا حسن قد كنت ترجو أن تكون خليفة ولست هناك .
فقال الحسن : إنما الخليفة من سار بسيرة رسول اللّه وعمل بطاعة اللّه وليس الخليفة من دان بالجور وعطّل السنن واتّخذ الدّنيا أبا وأمّا ، ولكنّ ذاك ملك أصاب ملكا يمتّع به قليلا وكان قد انقطع عنه واستعجل لذّته وبقيت عليه تبعته فكان كما قال اللّه عزّ وجلّ :
وَإِنْ أَدْرِي لَعَلَّهُ فِتْنَةٌ لَكُمْ وَمَتاعٌ إِلى حِينٍ
« 1 » ثمّ انصرف .
فقال معاوية لعمرو : واللّه ما أردت إلّا هتكي ، ما كان أهل الشام يرون أنّ أحدا مثلي حتّى سمعوا من الحسن ما سمعوا .
قيل : وقدم الحسن بن عليّ رضوان اللّه عليه على معاوية فلمّا دخل عليه وجد عنده عمرو بن العاص ومروان بن الحكم والمغيرة بن شعبة وصناديد قومه ووجوه اليمن وأهل الشام ، فلمّا نظر إليه
هامش
( 1 ) سورة الأنبياء ، الآية : 111 .