ينصرون ، فلا يستخفنّكم المهل فإنّه عزّ وجلّ لا يحفزه البدار ولا يخشى عليه فوت الثار ، كلّا إنّ ربّك لنا ولهم بالمرصاد ، ثمّ أنشأت تقول عليها السّلام :
ماذا تقولون إذا قال النبي لكم * ماذا صنعتم وأنتم آخر الأمم
بأهل بيتي وأولادي وتكرمتي * منهم أسارى ومنهم ضرّجوا بدم
ما كان ذاك جزائي إذ نصحت لكم * أن تخلفوني بسوء في ذوي رحم
إنّي لأخشى عليكم أن يحلّ بكم * مثل العذاب الذي أودى على إرم
ثمّ ولّت عنهم .
قال حذيم : فرأيت الناس حيارى قد ردّوا أيديهم في أفواههم ، فالتفتّ إلى شيخ في جانبي يبكي وقد اخضلّت لحيته بالبكاء ، ويده مرفوعة إلى السماء ، وهو يقول : بأبي وأمّي كهولهم خير كهول ، ونساؤهم خير نساء ، وشبابهم خير شباب ونسلهم نسل كريم ، وفضلهم فضل عظيم ، ثمّ أنشد :
كهولكم خير الكهول ونسلكم * إذا عدّ نسل لا يبور ولا يخزى
فقال علي بن الحسين عليه السّلام : يا عمّة أسكتي ففي الباقي من الماضي اعتبار ، وأنت بحمد اللّه عالمة غير معلمة ، فهمة غير مفهّمة ، إنّ البكاء والحنين لا يردّان من قد أباده الدهر ، فسكتت . ثمّ نزل عليه السّلام وضرب فسطاطه ، وأنزل نساءه ودخل الفسطاط « 1 » .
* * *
سبي زينب عليها السّلام
ذلك السبي الذي لم يكن قبل كربلاء ولن يكون بعدها ، سبي بعد قتل الأعزّة والأحبّة ، الأبناء والآباء والأزواج ، بعد الجوع والعطش ، سبي طويل المسافة من كربلاء إلى الشام ، مع بعد المسافة وعظم المصيبة ورؤوس الأحبّة والأعزّة أمامهم ، سبي ليس لبنات الروم وقيصر ، ولا لبنات اليهود والنصارى ، هو سبي من نوع جديد ، سبي بنات الأنبياء والأئمّة صلوات اللّه عليهم أجمعين .
لم يحدّثنا التاريخ قبل ذلك عن سبي بنات الرسالات ولن يأتي زمن نسمع فيه ذلك إلّا ما كان من يزيد بن معاوية بن أبي سفيان .
من يتحمّل ما تحمّلته زينب ، تساق من بلد إلى بلد كما تساق . . . . ، يعجز الإنسان عن وصف زينب بنت علي في تلك الحالة . وفعلا سبي زينب ممّا يقرح القلب .
هامش
( 1 ) الاحتجاج : 2 / 29 - 30 .