ينادي من السماء يا أبا الحسن إرفعهما عنها فلقد أبكيا ملائكة السماوات فقد اشتاق الحبيب إلى المحبوب قال : فرفعتهما عن صدرها وأقبل بها إلى قبر أبيها ونادى : السلام عليك يا رسول اللّه منّي ومن ابنتك النازلة عليك وإنّ الوديعة قد استردّت والرهينة قد أخذت ، فوا حزناه على الرسول ومن بعده على البتول ولقد اسودّت عليّ الغبراء وبعدت عنّي الخضراء ، فوا حزناه ثمّ وا أسفاه .
ثمّ عدل بها على الروضة فصلّى عليها في أهله وأصحابه ، فلمّا ألحدها في لحدها قال شعر :
أرى علل الدّنيا عليّ كثيرة * وصاحبها حتّى الممات عليل
لكلّ اجتماع من خليلين فرقة * وإنّ بقائي بعدكم لقليل
وإنّ افتقادي فاطم بعد أحمد * دليل على أن لا يدوم خليل « 1 »
وفي المناقب : قبض النبيّ صلّى اللّه عليه وآله وسلّم ولها يومئذ ثماني عشرة سنة وسبعة أشهر وعاشت بعده اثنان وسبعون يوما وقيل أربعة أشهر وقيل أربعين يوما توفّيت ليلة الأحد ثلاث عشر ليلة خلت من شهر ربيع الآخر سنة إحدى عشر من الهجرة ومشهدها بالبقيع وقالوا : إنّها دفنت في بيتها وقيل بين القبر والمنبر « 2 » .
وروي أنّها ما زالت بعد أبيها معصّبة الرأس ناحلة الجسم باكية العين محترقة القلب يغشى عليها ساعة بعد ساعة ، ويقول لولديها : أين أبوكما الذي كان يكرمكما ويحملكما ثمّ مرضت ودعت أمّ أيمن وأسماء بنت عميس وعليّ بن أبي طالب وأوصت عليّ بثلاث ؛ أن يتزوّج أمامة بنت أختها زينب لحبّها لأولادها ، وأن يتّخذ لها نعشا لأنّها كانت رأت الملائكة فصوّرت لها صورته ، وأن لا يشهد أحد جنازتها ممّن ظلمها ولا يصلّي عليها أحد منهم « 3 » .
وروى الواقدي أنّ فاطمة لمّا حضرتها الوفاة أوصت عليّا أن لا يصلّي عليها أبو بكر وعمر ، فعمل بوصيّتها وسوّى قبرها مع الأرض مستويا وسوّى حواليها قبورا مزوّرة سبعة أو أربعين حتّى لا يعرف قبرها فيصلّوها عليها « 4 » .
وسئل أبو عبد اللّه عليه السّلام : من غسّل فاطمة ؟
فقال : غسّلها أمير المؤمنين لأنّها كانت صدّيقة لم يكن ليغسّلها إلّا صدّيق والمراد بالصدّيق هنا المعصوم عليه السّلام « 5 » .
هامش
( 1 ) بحار الأنوار : 43 / 180 ح 15 ، واللمعة البيضاء : 861 .
( 2 ) بحار الأنوار : 43 / 180 .
( 3 ) المناقب : 3 / 137 ، وبحار الأنوار : 43 / 181 .
( 4 ) اللمعة البيضاء : 863 ، والبحار : 29 / 192 ح 39 .
( 5 ) الكافي : 1 / 459 ح 4 .