تنادي : يا محمّداه ، فلا تجاب ، وتستغيث فلا تغاث ، فلا تزال بعدي محزونة ، مكروبة ، باكية ، تتذكّر انقطاع الوحي عن بيتها مرّة ، وتتذكّر فراقي أخرى ، وتستوحش إذا جنّها الليل لفقد صوتي الذي كانت تستمع إليه إذا تهجّدت بالقرآن ، ثمّ ترى نفسها ذليلة بعد أن كانت في أيّام أبيها عزيزة .
فعند ذلك يؤنسها اللّه تعالى ذكره بالملائكة فنادتها بما نادت به مريم بنت عمران فتقول : يا فاطمة
إِنَّ اللَّهَ اصْطَفاكِ وَطَهَّرَكِ وَاصْطَفاكِ عَلى نِساءِ الْعالَمِينَ
« 1 » .
يا فاطمة
اقْنُتِي لِرَبِّكِ وَاسْجُدِي وَارْكَعِي مَعَ الرَّاكِعِينَ
« 2 » .
ثمّ يبتدئ بها الوجع فتمرض فيبعث اللّه عزّ وجلّ إليها مريم بنت عمران تمرّضها وتؤنسها في علّتها ، فتقول عند ذلك : يا ربّ إنّي قد سئمت الحياة وتبرّمت بأهل الدّنيا ، فألحقني بأبي ، فيلحقها اللّه عزّ وجلّ بي ، فتكون أوّل من يلحقني من أهل بيتي ، فتقدم عليّ محزونة ، مكروبة ، مغمومة ، مغصوبة ، مقتولة ، فأقول عند ذلك : اللّهمّ العن من ظلمها ، وعاقب من غصبها ، وذلّل من أذلّها ، وخلّد في نارك من ضرب جنبيها حتّى ألقت ولدها ، فتقول الملائكة عند ذلك : آمين « 3 » .
* * *
نعي النبي نفسه لفاطمة عليها السّلام
عن عائشة قالت : اجتمع نساء رسول اللّه صلّى اللّه عليه وآله وسلّم عند رسول اللّه صلّى اللّه عليه وآله وسلّم فلم يغادر منهن امرأة ، فجاءت فاطمة تمشي ما تخطىء مشيتها مشية أبيها صلوات اللّه وسلامه عليه ، فقال : « مرحبا بابنتي » فأقعدها عن يمينه أو عن شماله فسارّها بشيء ، فبكت ، فسارها بشيء فضحكت ، فقلت لها : خصّك رسول اللّه صلّى اللّه عليه وآله وسلّم من بيننا بالسرار فتبكين ، فلما قام فقلت لها : أخبريني بما سارّك فقالت : ما كنت لأفشي على رسول اللّه صلّى اللّه عليه وآله وسلّم سرّه .
فلما توفي رسول اللّه صلّى اللّه عليه وآله وسلّم قلت لها : أسألك بما لي عليك من حق لما أخبرتيني [ بما سارّك ] فقالت : أمّا الآن فنعم . فقالت : سارّني « أنّ جبريل عليه الصلاة والسلام كان يعارضني بالقرآن في كل سنة مرة ، وإنّه عارضني العام مرتين ، ولا أرى ذلك إلّا عند اقتراب الأجل ، فاتّقي اللّه واصبري ، فنعم السلف أبا لك » فبكيت ، ثم سارّني فقال : « أما ترضين أن تكوني سيدة نساء المؤمنين ؟ أو قال :
سيدة هذه الأمة » . انتهى « 4 » .
هامش
( 1 ) سورة آل عمران : 42 .
( 2 ) سورة آل عمران : 43 .
( 3 ) البحار : 43 / 172 - 173 ح 13 .
( 4 ) صحيح مسلم : 44 كتاب فضائل الصحابة ( 15 ) باب فضائل فاطمة ، حديث : 99 : 1905 . ومسند أحمد :
6 / 282 .