حزن فاطمة على أبيها صلّى اللّه عليه وآله وسلّم
وروى ورقة بن عبد اللّه قال : بينمنا أنا أطوف وإذا أنا بجارية سمراء مليحة الوجه عذبة الكلام وهي تنادي : اللّهمّ ربّ الكعبة الحرام وربّ محمّد خير الأنام أن تحشرني مع ساداتي الكرام ، فقلت : يا جارية إنّي لأظنّك من موالي أهل البيت عليهم السّلام ؟
فقالت : أجل أنا فضّة أمة الزهراء صلّى اللّه عليها وعلى أبيها وبعلها وبنيها ، فقلت لها : مرحبا بك يا فضّة أخبريني عن الزهراء عند وفاتها .
فلمّا سمعت كلامي تغرغرت عيناها بالدّموع فقالت : هيّجت عليّ حزنا ساكنا يا ورقة .
لمّا مات رسول اللّه صلّى اللّه عليه وآله وسلّم كثر عليه البكاء ولم يكن أعظم عليه حزنا من فاطمة الزهراء فجلست سبعة أيّام لا يسكن أنينها ، فلمّا كان اليوم الثالث أبدت ما كتمت من الحزن وصرخت وضجّ الناس بالبكاء وخيل إلى [ النسوان ] « 1 » أنّ رسول اللّه صلّى اللّه عليه وآله وسلّم قد قام من قبره وهي تنادي : وا أبتاه وا محمّداه أمن للقبلة والمصلّى ومن لابنتك الثكلى ، ثمّ أقبلت تعثر في أذيالها ولا تبصر شيئا من عثرتها حتّى دنت من قبر أبيها ، فلمّا نظرت إلى الحجرة علا بكاؤها إلى أن أغمي عليها فنضحن النساء الماء عليها حتّى أفاقت ، فلمّا أفاقت وهي تقول : رفعت قوّتي وخانني جلدي وشمت بي عدوّي والحزن قاتلي يا أبتاه ، بقيت والهة وحيدة وحيرانة فريدة تنغصت عيشتي وتكدّر دهري بعدك فقد فني بعدك محكم التنزيل ومهبط جبرئيل ومحلّ ميكائيل انقلبت بعدك يا أبتاه الأسباب وتغلّقت دوني الأبواب ثمّ قالت شعر :
إنّ حزني عليك حزن جديد * وفؤادي واللّه صب عتيد
إنّ قلبا عليك بألف صبرا * أو عزاء فإنّه لجليد
ثمّ نادت : يا أبتاه اسودّت بعدك الدّنيا ، يا أبتاه زال نومي منذ وقع الفراق ، يا أبتاه أي دمعة لفراقك لا تهمل وأيّ حزن عليك لا يتّصل وأي جفن بعدك بالنوم يكتحل ؟
وكيف لا تتزلزل الأرض بعدك ؟ .
يا أبتاه منبرك بعدك مستوحش ومحرابك خال من مناجاتك وقبرك فرح بموالاتك والجنّة مشتاقة إليك ، يا أبتاه ما أعظم ظلمة مجالسك فوا أسفاه عليك إلى أن أقدم عاجلا إليك .
ثمّ زفرت زفرة وقالت :
قلّ صبري وبان عنّي عزائي * بعد فقدي لخاتم الأنبياء
قد بكتك الجبال والوحش جمعا * والطير والأرض بعد بكى السماء
هامش
( 1 ) في المصدر : النسوة .