فجاءه وعاتبه على هذا الكتاب ، وقال له نحوا مما قال أبو زرعة : « إن هذا يطرّق لأهل البدع » ، فاعتذر مسلم فقال : إنما قلت : « هو صحيح ، ولم أقل إن لم أخرجه من الحديث فهو ضعيف » ) ، ذكر هذا النووي في شرح مقدمة مسلم مفرقا .
قلت : قد اتفق ما حدسه أبو زرعة من ذلك التطريق ، فإنه ذكر الحاكم أبو عبد اللّه في خطبة المستدرك ما لفظه : إنه صنف الشيخان في صحيح الأخبار كتابين مهذبين ، انتشر ذكرهما في الأقطار ، ولم يحكما ولا واحد منهما ، أنه لم يصح من الحديث غير ما أخرجه ، وقد نبغ في عصرنا هذا جماعة من المبتدعة يسمّون برواة الآثار ( بأن جميع ما صحّ عندهم من الحديث لا يبلغ عشرة آلاف حديث ، وهذه المسانيد المجموعة المشتملة على ألف جزء أو أكثر كلها سقيمة أو غير صحيحة ) ا ه .
فهذا هو الذي حدسه أبو زرعة وغيره قد وقع ، وفي قوله : « عشرة آلاف » إشعار بعدة أحاديث الصحيحين ، فكأن هذا هو من الحوامل لأهل الحديث على التعرض لذكر أن الشيخين لم يستوعبا الصحيح في كتابيهما ، أما البخاري فقوله :
« أحفظ مائة ألف حديث صحيح » وكون الذي أخرجه في كتابه لا يبلغ عشر ما ذكره ، صريح في أنه لم يستوعب الصحيح .
إن قلت : إن قول الحاكم في مواضع من المستدرك في الحديث : « على شرطهما ، ولم يخرجاه » يشعر بخلاف ما نقله عنه في الخطبة وإلا فلا فائدة لقوله :
« ولم يخرجاه » .
قلت : لعله لم يسق قوله : « ولم يخرجاه » مساق الاعتراض عليهما بأنهما لم يخرجاه ، بل ذكر ذلك إخبارا بأنهما لم يخرجا كل ما كان على شرطهما ، فهو كالاستدلال لما قاله في خطبته من أنهما لم يستوعبا الصحيح ، ولا التزما ذلك ] « 347 » ا ه .
هامش
( 347 ) « توضيح الأفكار لمعاني تنقيح الأنظار » للصنعانى ( 1 / 51 - 52 ) .