لقد عاد الحليم في هذا الزمان حيران ، يقلب وجهه في السماء باحثا عن نجم يضئ له الطريق ، ويعيّن له الهدف ، ويحدّد له الاتجاه ، وقد تلبّد الجو بغيوم الأوهام التي أمطرت وابلها على الأرض المجدبة ، فأنبتت لفيفا من الأقوام المتصارعة آراؤهم ، المتدابرة قلوبهم ، وقد جعل اللّه بأسهم بينهم .
لقد أرخى الليل سدوله بأنواع المصائب والفتن ليميز اللّه الخبيث من الطيب ، ونبغ في هذا الزمان أقوام أعرضوا عن المحجة البيضاء ، وزاغوا عنها ، فهلكوا مع الهالكين ، وراحوا يخوضون مع الخائضين ، ( فمنذ مطلع هذا القرن أو قبله وجدت فئة تدعو إلى ما يسمى ب « التحرر الفكرىّ » ، وتتصدر ما يسمى « بحركة الإصلاح الديني » « 23 » ، وتعمل لإحياء المفاهيم الإسلامية في نفوس المسلمين ، ولكنهم في سبيل ذلك عمدوا إلى إنكار كثير من المغيّبات التي وردت بها النصوص الصريحة المتواترة ، الأمر الذي لا يجعل ثبوتها محل جدال أو ريبة ، ولا سند لهم في هذا الإنكار سوى الجموح الفكري والغرور العقلي ، وقد راجت بتأثيرهم تلك النزعة الفلسفية الاعتزالية التي تقوم على تحكيم العقل في أخبار الكتاب والسنة ، وعمّت فتنتها حتى تأثر بها بعض الأغرار ممن تستهويهم زخارف القول ، وتغرهم لوامع الأسماء والألقاب والمناصب ، ومن هنا لزم أن يوضع الحقّ في نصابه تنبيها لأولئك الشاردين عن منهج الرشد أنّ تلك الأمور التي يمارون فيها ثابتة ثبوتا قطعيا بأدلة لا تقبل الجدل ولا المكابرة ، وأنّ من يحاول ردّها أو يسوّغ الطعن فيها فهو مخاطر بدينه ، وهو - في الوقت نفسه - قد فتح
هامش
( 23 ) ينبغي التحفظ من مثل هذه الإطلاقات لما قد تنطوى عليه من أفكار خبيثة ، فالدين كما عرفه العلماء ( وضع إلهي سائق لذوي العقول السليمة لما فيه صلاح دنياهم ، وسعادة آخرتهم ) ، وهذا التعريف مأخوذ من قوله تعالى :الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الْإِسْلامَ دِيناً ،وحيث كان الأمر كذلك فلا يمكن لبشر أن يتناول الدين بإصلاح أو تهذيب ، لأن ما وضّحه اللّه وأكمله ، لا يتصور أن يتناول بإصلاح ، إلا أن يقصد بذلك الإصلاح تجديد الدين بإحياء السنن والشرائع وإماتة البدع والحوادث ، والاجتهاد الصادر من أهله المحصلين لشروطه ، واللّه تعالى أعلم .