فقال : خذها ولا تنفق على نفسك غيرها ، فإنّك لن تعدم ما سألت ، وإنّ اللّه تبارك وتعالى لن يضيع أجر من أحسن عملا .
قال سعد : فلمّا انصرفنا بعد منصرفنا من حضرة مولانا من حلوان على ثلاثة فراسخ حمّ أحمد بن إسحاق وثارت به علّة صعبة أيس من حياته فيها ، فلمّا وردنا حلوان ونزلنا في بعض الخانات دعا أحمد بن إسحاق برجل من أهل بلده كان قاطنا بها ، ثمّ قال : تفرّقوا عنّي هذه الليلة واتركوني وحدي ، فانصرفنا عنه ورجع كلّ واحد منّا إلى مرقده .
قال سعد : فلمّا حان أن ينكشف الليل عن الصبح أصابتني فكرة ، ففتحت عيني فإذا أنا بكافور الخادم ( خادم مولانا أبي محمّد عليه السّلام ) وهو يقول : أحسن اللّه بالخير عزاكم ، وجبر بالمحبوب رزيّتكم ، قد فرغنا من غسل صاحبكم ومن تكفينه ، فقوموا لدفنه فإنّه من أكرمكم محلّا عند سيّدكم . ثمّ غاب عن أعيننا فاجتمعنا على رأسه بالبكاء والعويل حتّى قضينا حقّه ، وفرغنا من أمره رحمه اللّه .
29 - غيبة الشيخ : ص 153
بهذا الإسناد ( أي بالإسناد المتقدّم ) عن أحمد بن عليّ الرازي قال : حدّثني محمّد ابن علي عن محمّد بن أحمد بن خلف قال : نزلنا مسجدا في المنزل المعروف بالعبّاسية على مرحلتين من فسطاط مصر وتفرّق غلماني في النزول وبقي معي في المسجد غلام أعجمي فرأيت في زاويته شيخا كثير التسبيح ، فلمّا زالت الشمس ركعت وصلّيت الظهر في أول وقتها ، ودعوت بالطعام وسألت الشيخ أن يأكل معي فأجابني .
فلمّا طعمنا سألته عن اسمه واسم أبيه وعن بلده وحرفته ، فذكر أنّ اسمه محمّد بن عبيد اللّه ، وأنه من أهل قم ، وذكر أنه يسيح منذ ثلاثين سنة في طلب الحقّ وينتقل في البلدان والسواحل وأنّه أوطن مكة والمدينة نحو عشرين سنة ، يبحث عن الأخبار ويتتبّع الآثار .
فلمّا كان في سنة ثلاث وتسعين ومائتين طاف بالبيت ثمّ صار إلى مقام إبراهيم عليه السّلام فركع وغلبته عينه فأنبهه صوت دعاء لم يجر في سمعه مثله قال : فتأمّلت الداعي فإذا هو شابّ أسمر لم أر قط في حسن صورته واعتدال قامته ، ثمّ صلّى فخرج وسعى ،