فركبوا وساروا . . .
وقد وضع القدامى العديد من المجلدات الضخمة في أمثال هذه « الكرامات » وأكثرها مطبوع ، وكان انتشار هذه « الكرامات » عاملا قويا في القضاء على التصوف والمتصوفين ، فلقد كان لهم مكانة في القلوب ، ووجاهة عند الناس ، ثم انتكسوا وضعف أمرهم ، حيث انتسب إليهم الأدعياء الذين تجاوزوا كل حد في الكذب والتدليس . فبعد أن كانت الكرامات معقولة مقبولة ، كاستجابة الدعاء في شفاء مريض ، والنجاة من بعض المخاطر ، وما إلى ذاك مما يتفق للصالحين وغيرهم من ذوي النوايا الحسنة ، أصبحت من النوع الذي ينفر منه السمع ، ويأباه الطبع .
ومن الأسباب التي عجلت بإنقراض الصوفية انغماس المنتمين إليهم في المحرمات والشهوات ، وظهور أمثال القلندرية ، حتى لم يبق معنى للتصوف عند هؤلاء ومن إليهم إلا التكدي واستعمال البنج والأفيون 356 .
وقال الحكيم نصير الدين الطوسي في تجريد الإعتقاد ( ص 214 ) في أمر الكرامة :
قصة مريم وغيرها تعطي جواز ظهورها على الصالحين ولا يلزم خروجه عن الإعجاز ولا التنفير ولا عدم التمييز ولا إبطال دلالته ولا العمومية ومعجزاته صلّى اللّه عليه وآله قبل النبوّة تعطي الإرهاص 357 .
وقال العلامة الحلّي في كتاب أنوار الملكوت ( ص 186 ) :
اتّفقت الإماميّة ، وجماعة من الأشاعرة على جواز الكرامات ، وإظهار المعجزة على يد الأئمّة ، والصالحين ، خلافا للمعتزلة .
لنا أنّه غير مستحيل ، ولا قبيح فجاز إظهاره ، أمّا عدم الاستحالة فضروريّ لأنه ممكن ، واللّه تعالى قادر على جميع الممكنات ؛ وأمّا عدم قبحه فإنّ جهة القبح هو الكذب وهو منفيّ هنا إذ صاحب الكرامات لا يدّعي النبوّة ، فانتفى وجه القبح بل فيه جهة حسن لأنّ خلق المعجز على يد الرسول تصديقا له ليعرّف الأحكام حسن أيضا ولأنّه واقع فيكون ممكنا قطعا ، وبيان وقوعه : قصّة آصف ، وإتيانه بعرش بلقيس ، وقصّة مريم عليها السلام وغير ذلك مما نقلته الإماميّة بالتواتر من ظهور المعجزات على أيدي الأئمّة عليهم السلام .
احتجّت المعتزلة بأنّه لو جاز إظهاره على يد صالح لجاز على يد كلّ فيخرج
ظاهرة الغيبة ودعوى السفارة في ظل إمامة المهدي المنتظر ( ع ) — صفحة 506
مساهمون: ميرزا محسن آل عصفور
ص٥٠٦