والانحراف السياسي - الذي سبب انحرافات أخرى - كان قد طغى على كيان المسلمين واستشرى الفساد في حكوماتهم التي لم يكن لها هدف سوى التمادي في الملذات المحرمة والتناحر الداخلي بدوافع سلطوية ومطامع استعلائية في الأرض حتى غابت صورة الخليفة الخادم للرعية المدافع عن كرامتهم الإنسانية ومصالحهم الدنيوية والأخروية وحلت محلها صورة الحاكم المستبد الذي لا همّ له سوى الفساد والإفساد والاستعلاء في الأرض والاحتفاظ بالعرش بما أمكنه ولو كان على حساب سحق أبسط القيم التي جاء بها من يرفعون شعار خلافته أي النبي الأعظم ( صلّى اللّه عليه وآله ) ، ولذلك اجتهدوا في محاربة أئمة الهدى من عترته كما لاحظنا في تعليل الإمام العسكري ( عليه السّلام ) للمطاردة الأموية والعباسية لهم وخاصة للمهدي الموعود .
إذن فالكيان الإسلامي - وبالتالي المجتمع البشري - لم يكن مؤهلا بالفعل لتلك المهمة الإصلاحية الكبرى التي تحمّلها المهديّ الموعود ، ولعل من أوضح مظاهر ذلك موقفه من الثورات العلوية الكثيرة التي كانت تتفجر في أرجاء مختلفة من العالم الإسلامي ، لكنها كانت تواجه بقمع وحشي أو خذلان سريع أو انحراف سريع عن أهدافها المعلنة وتحويلها إلى حكومة سلطوية كسائر الحكومات الفاسدة المعاصرة لها بعيدة عن الأهداف الإصلاحية الإسلامية الكبرى « 1 » .
في ظل هذه الأوضاع وفي ظل الجهود المستميتة التي كانت تبذلها السلطات العباسية للقضاء على المهدي كما تقدم ، كان لا بد من إحاطة الإمام ( عليه السّلام ) بستار يمكنه من المساهمة - كحجة للّه على عباده - في إعداد
هامش
( 1 ) أجرى السيد الشهيد محمد الصدر ( رحمه اللّه ) دراسة تحليلية وثائقية قيمة استنادا لمصادر التأريخ الإسلامي ، لخصوصيات هذه الحقبة من التأريخ الإسلامي من المفيد الاطلاع عليها في كتابه تأريخ الغيبة الصغرى .