الظرف الذي كانت تتطلع فيه الأعين لترى من الذي يصلي على الإمام المتوفى لتتخذ ذلك قرينة كاشفة عن خليفة الإمام السابق . وهكذا كان الظرف يمثل فرصة مناسبة للغاية لتعريف الحاضرين في الدار - وكثير منهم من عيون أصحاب الإمام العسكري ( عليه السّلام ) ووكلائه - بوجود الإمام المهدي وأنه هو الوصي الحقيقي لأبيه ، وأن الرعاية الإلهية قد حفظته من مساعي الإبادة العباسية خاصة وأن الخليفة العباسي المعتمد قد بعث جلاوزته فور وصول خبر وفاة الإمام العسكري لتفتيش داره ( عليه السّلام ) بجميع حجرها بحثا عن ولده واصطحبوا معهم نساءا يعرفن الحبل لفحص جواريه ( عليه السّلام ) وكل ذلك كان قبل تهيئة الجسد الطاهر وتكفينه « 1 » ، لذلك كانت صلاته على أبيه ( عليه السّلام ) بمثابة إعلان لأولئك الحاضرين - وعددهم كان يناهز الأربعين كما في رواية الهاشمي المتقدمة - ؛ بسلامة الإمام المهدي من الهجوم العباسي السريع الذي باغت أهل دار العسكري المنشغلين بمصيبة فقده ( عليه السّلام ) ، الأمر الذي قد يجعل البعض يتصور بأنهم لم يكونوا يتحسبون لهذا الهجوم المباغت .
ولتأكيد هذا الأمر نلاحظ أن ظهور الإمام المهدي ( عليه السّلام ) للصلاة على أبيه اقترن بالإعلان عن هويته وأنه ابن الحسن العسكري وأنه أحق بالصلاة عليه كما تصرح بذلك رواية أبي الأديان حيث خاطب الإمام عمه جعفر بالقول :
« يا عم ، أنا أحق بالصلاة على أبي » .
أما الإنجاز الثاني ، فهو منع عمه جعفر - الذي لقب بالكذاب - من استغلال هذا الموقف المهم للحصول على ورقة مؤثرة في أذهان الناس تؤيد دعاويه التضليلية بأنه هو الإمام بعد أخيه العسكري ( عليه السّلام ) ، وتتضح أهمية هذا
هامش
( 1 ) راجع تفصيلات ذلك في كمال الدين : 43 ، 473 .