ومن أجل إبعاد المسلمين عن نهج أهل البيت ( عليهم السّلام ) قام العباسيون بمحاصرة الفقهاء المؤيّدين لهم ، وشجّعوا على نشوء التيارات الهدّامة ، وهذا واضح من خلال عدم ملاحقتهم لاتباعها وأنصارها .
فقد نشأ تيار الواقفة وتيار الغلاة ، ولم يبادر العباسيون إلى تطويقهما في بداية نشوئهما ، سعيا منهم لتشويه منهج أهل البيت ( عليهم السّلام ) وتفتيت كيانهم .
وقام المأمون بترجمة كتب الفلسفة من اليونانية إلى العربية « 1 » وبطبيعة الحال تؤدّي الترجمة إلى انتشار الأفكار والمصطلحات المنطقية والفروض الذهنية البعيدة عن الواقع .
وفي عهدهم كثر الافتاء بالرأي ، وتفسير القرآن بالرأي ، وراج القياس الباطل القائم على أساس قياس حكم فرعي بحكم فرعي آخر ، وأصبحت الفتاوى تابعة لأهواء الحكّام وشهواتهم ، فعن ابن المبارك انّه قال : لما أفضت الخلافة إلى الرشيد وقعت في نفسه جارية من جواري المهدي ، فراودها عن نفسها ، فقالت : لا أصلح لك ، إنّ أباك قد طاف بي ، فشغف بها ، فأرسل إلى أبي يوسف ، فسأله : أعندك في هذا شيء ؟ فقال : يا أمير المؤمنين أو كلّما ادّعت أمة شيئا ينبغي أن تصدّق ؟
لا تصدّقها فإنّها ليست بمأمونة ، قال ابن المبارك : فلم أدر ممن أعجب : من هذا الذي قد وضع يده في دماء المسلمين وأموالهم يتحرج عن حرمة أبيه ؟ ! أو من هذه الأمة التي رغبت بنفسها عن أمير المؤمنين ؟ ! أو من هذا فقيه الأرض وقاضيها ؟ ! قال : اهتك حرمة أبيك ، واقض شهوتك ، وصيره في رقبتي « 2 » .
وعن عبد اللّه بن يوسف قال : قال الرشيد لأبي يوسف : اني اشتريت جارية وأريد أن أطأها قبل الاستبراء ، فهل عندك حيلة ؟ قال : نعم ، تهبها
هامش
( 1 ) مآثر الإنافة في معالم الخلافة : 1 / 209 .
( 2 ) تاريخ الخلفاء : 233 .