كان ليلة من الليالي أبطأ عن فراشه ولم يأت فاستوحش العيال ، فلما كان من الغد أتى الدار ودخل إلى العيال وقصد إلى أم أحمد زوجة أبيه ، فقال لها : هات التي أودعك أبي ، فصرخت وقالت : مات واللّه سيدي ، فكفّها وقال لها : لا تكلمي بشيء ولا تظهريه ، حتى يجيئ الخبر إلى الوالي « 1 » .
وقد أوصل محمد بن الفضل الهاشمي خبر استشهاد الإمام الكاظم ( عليه السّلام ) إلى الإمام الرضا ( عليه السّلام ) بأمر منه ودفع اليه بعض الودائع لإرسالها اليه .
وفي اليوم نفسه ذهب محمّد إلى البصرة ليبلّغ خبر استشهاد الإمام ( عليه السّلام ) ثم تبعه الإمام الرضا ( عليه السّلام ) بعد ثلاثة أيام من وصوله ، فأقرّ له بعض أهل البصرة بالإمامة فرجع في نفس اليوم إلى المدينة .
ثم اتّجه الإمام الرضا ( عليه السّلام ) إلى الكوفة والتقى بأتباع أبيه ثم عاد إلى المدينة « 2 » .
ولمّا شاع خبر رحيل الإمام الكاظم ( عليه السّلام ) في المدينة اجتمع أتباع أهل البيت ( عليهم السّلام ) على باب أم أحمد ، واجتمعوا مع أحمد ابن الإمام الكاظم ( عليه السّلام ) فذهب بهم إلى أخيه الإمام الرضا ( عليه السّلام ) فبايعوه على الإمامة « 3 » .
ولم يتصدّ الإمام ( عليه السّلام ) علنا لإمامة المسلمين ، وإنّما كان الأمر سرّيا ولم يعلن عنه الّا بعد أربع سنين طبقا لوصية أبيه .
وقد عاش الإمام الرضا ( عليه السّلام ) محنة أبيه وانتقالاته من سجن إلى سجن حتّى استشهاده ولم تكن الظروف ملائمة ، ولم توجد مصلحة في إعلان المعارضة ، فبقي الإمام ( عليه السّلام ) يتجرّع الألم ومرارة المحنة كاتما أنفاسه مراعيا للظروف العصيبة التي تمر بالمسلمين عموما وبأتباع أهل البيت ( عليهم السّلام ) خصوصا .
هامش
( 1 ) الكافي : 1 / 381 - 382 .
( 2 ) الخرائج والجرائح : 1 / 341 ح 1 وعنه في بحار الأنوار : 49 / 73 .
( 3 ) المختار من تحفة العالم للسيد جعفر بحر العلوم ، الملحق ببحار الأنوار : 48 / 307 - 308 .