« عظم الذنب من عبدك ، فليحسن العفو من عندك » « 1 » .
ولمّا أودعه طاغية زمانه الملك هارون الرشيد في ظلمات السجون تفرغ للطاعة والعبادة حتى بهر بذلك العقول وحير الألباب ، فقد شكر اللّه على تفرغه لطاعته قائلا :
« اللّهم انّني كنت أسألك أن تفرغني لعبادتك ، اللهمّ وقد فعلت فلك الحمد » « 2 » .
لقد ضرب الإمام المثل الأعلى للعبادة فلم يضارعه أحد في طاعته واقباله على اللّه ، فقد هامت نفسه بحبه تعالى ، وانطبع في قلبه الايمان العميق .
وحدّث الشيباني « 3 » عن مدى عبادته ، فقال : كانت لأبي الحسن موسى ( عليه السّلام ) في بضع عشر سنة سجدة في كل يوم بعد ابيضاض الشمس إلى وقت الزوال « 4 » ، وقد اعترف عدوه هارون الرشيد بأنه المثل الأعلى للإنابة والايمان ، وذلك حينما أودعه في سجن الربيع « 5 » فكان يطل من أعلى القصر فيرى ثوبا مطروحا في مكان خاص من البيت لم يتغير عن موضعه فيتعجب
هامش
( 1 ) وفيات الأعيان : 4 / 293 ، وكنز اللغة : 766 ، وتاريخ بغداد : 13 / 27 وعنه في الأنوار البهية : 190 .
( 2 ) مناقب آل أبي طالب : 4 / 343 ، ووفيات الأعيان : 4 / 293 .
( 3 ) الشيباني : هو أبو عبد اللّه محمد بن الحسن مولى لبني شيبان حضر مجلس أبي حنيفة سنين ، وتفقه على أبي يوسف ، وصنف الكتب الكثيرة ونشر علم أبي حنيفة وقال الشافعي : حملت من علم محمد بن حسن وقر بعير وقال أيضا : ما رأيت أحدا يسأل عن مسألة فيها نظر الا تبينت في وجهه الكراهة الا محمد بن الحسن . توفي بالري سنة ( 187 ه ) وهو ابن ثمان وخمسين سنة كما جاء في طبقات الفقهاء : ص 114 .
( 4 ) حياة الإمام موسى بن جعفر ( عليه السّلام ) : 1 / 140 عن بحار الأنوار .
( 5 ) الربيع بن يونس كان حاجبا للمنصور ثم صار وزيرا له بعد أبي أيوب ، وكان المنصور كثير الميل إليه حسن الاعتماد عليه قال له يوما : ويحك يا ربيع ما أطيب الدنيا لولا الموت ، فقال له الربيع : ما طابت الدنيا إلّا بالموت ، قال له : وكيف ذلك ؟ فأجابه لولا الموت لم تقعد هذا المقعد ، فقاله له : صدقت ، وقال له المنصور لمّا حضرته الوفاة : بعنا الآخرة بنومة ، ويقال إن الربيع لم يكن له أب يعرف ، وان بعض الهاشميين وفد على المنصور فجعل يحدثه ويقول له : كان أبي رحمه اللّه ، وكان ، وكان ، وأكثر من الترحم عليه ، فقال له الربيع : كم تترحم على أبيك بحضرة أمير المؤمنين ؟ فقال له الهاشمي : أنت معذور لأنك لا تعرف مقدار الآباء فخجل أشدّ الخجل . توفي الربيع سنة ( 170 ه ) جاء ذلك في وفيات الأعيان : ( ج 1 / ص 231 - 233 ) ط . بولاق .