واللّه لا تتهنّأ بذلك ، عهد معهود ، فاصنع ما أنت صانع ، فإنك لا تفرح بعدي بدنيا ولا آخرة ، وكأني برأسك على قصبة يتراماه الصبيان بالكوفة ويتخذونه غرضا بينهم » فصرف ابن سعد وجهه عنه مغضبا « 1 » .
واستحوذ الشيطان على ابن سعد فوضع سهمه في كبد قوسه ثم رمى باتجاه معسكر الحسين ( عليه السّلام ) وقال : « اشهدوا أني أول من رمى » ثم ارتمى الناس وتبارزوا « 2 » .
فخاطب الإمام ( عليه السّلام ) أصحابه قائلا : « قوموا رحمكم اللّه إلى الموت الذي لا بد منه ، فإن هذه السهام رسل القوم إليكم » « 3 » .
فتوجهوا إلى القتال كالأسود الضارية لا يبالون بالموت مستبشرين بلقاء اللّه جل جلاله ، وكأنهم رأوا منازلهم مع النبيين والصديقين وعباده الصالحين ، وكان لا يقتل منهم أحد حتى يقول : السلام عليك يا أبا عبد اللّه ويوصي أصحابه بأن يفدوا الإمام بالمهج والأرواح ، واحتدمت المعركة بين الطرفين ، ( فكان لا يقتل الرجل من أنصار الحسين ( عليه السّلام ) حتى يقتل العشرة والعشرين ) « 4 » .
استمرت رحى الحرب تدور في ساحة كربلاء ، واستمر معه شلّال الدم المقدس يجري ليتخذ طريقه عبر نهر الخلود ، وأصحاب الحسين ( عليه السّلام ) يتساقطون الواحد تلو الآخر ، وقد أثخنوا جيش العدو بالجراح وأرهقوه بالقتل ، فتصايح رجال عمر بن سعد : لو استمرت الحرب برازا بيننا وبينهم لأتوا على آخرنا . لنهجم عليهم مرة واحدة ، ولنرشقهم بالنبال والحجارة .
هامش
( 1 ) مقتل الحسين للمقرم : 289 .
( 2 ) الإرشاد : 2 / 101 ، اللهوف : 100 ، إعلام الورى : 1 / 461 .
( 3 ) مقتل الحسين للمقرم : 292 .
( 4 ) سيرة الأئمّة الاثني عشر : 2 / 76 .