أبو طالب إلى المسجد الحرام وبيده النبي ( صلّى اللّه عليه واله ) - وهو غلام - كأنه شمس دجى تجلّت عنها غمامة - فدعا اللّه بالنبي ( صلّى اللّه عليه واله ) فأقبلت السحاب في السماء وهطل المطر فسالت به الأودية وسرّ الجميع وقد ذكر أبو طالب هذه الكرامة أيضا عندما تمادت قريش في عدائها للنبيّ ( صلّى اللّه عليه واله ) ورسالته المباركة فقال :
وأبيض يستسقى الغمام بوجهه * ربيع اليتامى عصمة للأرامل
تلوذ به الهلاك من آل هاشم * فهم عنده في نعمة وفواضل « 1 »
وكلّ هذا يعرب لنا عن توحيد كفيلي رسول اللّه ( صلّى اللّه عليه واله ) الخالص وإيمانهما باللّه تعالى ، ولو لم يكن لهما إلّا هذان الموقفان لكفاهما فخرا واعتزازا . وهذا يدل أيضا على أن رسول اللّه ( صلّى اللّه عليه واله ) قد نشأ في بيت كانت الديانة السائدة فيه هي الحنيفية وتوحيد اللّه تعالى .
6 - مع امّه آمنة :
لم يتمتع النبي ( صلّى اللّه عليه واله ) بطول رعاية أمه الحنون التي عاشت بعد أبيه وهي تنتظر أن يشبّ يتيم عبد اللّه ليكون لها سلوة عن فقد زوجها الحبيب ولكن الموت لم يمهلها طويلا . فقد روي أن حليمة السعدية جاءت بالنبي ( صلّى اللّه عليه واله ) إلى أهله وقد بلغ خمس سنين . وأرادت أمه آمنة أن تحمله معها وتزور قبر زوجها العزيز ويزور محمد ( صلّى اللّه عليه واله ) أخواله من بني النجار في يثرب فيتعرف في هذه السفرة عليهم ولكن هذه الرحلة لم تترك على النبيّ ( صلّى اللّه عليه واله ) إلّا حزنا آخر حيث فقد أمه في طريق العودة في منطقة تدعى بالأبواء بعد أن زار الدار التي توفيّ ودفن فيها أبوه ، وكأنّ تلاحق الأحزان على قلب النبيّ ( صلّى اللّه عليه واله ) في طفولته كانت خطوات إعداد إلهي لتتكامل نفسه الشريفة .
هامش
( 1 ) السيرة الحلبية : 1 / 190 ، البداية والنهاية : 3 / 52 ، بحار الأنوار : 8 / 2 .