مرتفعة من علاقات المادة إلى علاقات المعاني . والاختلافات التي نشأت في النوع الإنساني بعد إشراق عهد النبوّات غدت اختلافات في المعنى ، واختلافات في الدين والمعتقد ؛ فإن أسباب الصراع لم تلغ بالدين الذي جاءت به النبوّات بل استمرّت وتنوّعت ، ولكن المرجع لم يعد الغريزة بل غدا القانون مرجعا في هذا المضمار . والقانون الذي يتضمنه الدين يكون قاعدة ثابتة لوحدة الإنسانية وتعاونها وتكاملها « 1 » .
وأوضح الإمام علي بن أبي طالب ( عليه السّلام ) في الخطبة الأولى من نهج البلاغة - بعد أن استعرض تاريخ خلق العالم وتاريخ خلق آدم ( عليه السّلام ) وإسكانه في الأرض - أن إشراق النبوّة وتسلسلها على مدى العصور هو المحور في تاريخ الإنسان وحركته نحو الكمال كما صرّح به القرآن الكريم موضحا منهجه في التعامل مع التاريخ .
قال ( عليه السّلام « . . . واصطفى سبحانه من ولد ( آدم ) أنبياء ، أخذ على الوحي ميثاقهم « 2 » ، وعلى تبليغ الرسالة أمانتهم لمّا بدّل أكثر خلقه عهد اللّه إليهم « 3 » ، فجهلوا حقّه ، واتّخذوا الأنداد معه « 4 » ، واجتالتهم الشياطين عن معرفته « 5 » ، واقتطعتهم عن عبادته . .
فبعث فيهم رسله ، وواتر إليهم أنبياءه ؛ ليستأدوهم ميثاق فطرته « 6 » ، ويذكّروهم منسيّ نعمته ، ويحتجّوا عليهم بالتّبليغ ، ويثيروا لهم دفائن العقول « 7 » ، ويروهم آيات
هامش
( 1 ) حركة التاريخ عند الإمام علي ( عليه السّلام ) : 71 - 73 .
( 2 ) أخذ عليهم الميثاق أن يبلّغوا ما أوحي إليهم ، أو أخذ عليهم أن لا يشرّعوا للناس إلّا ما يوحى إليهم .
( 3 ) عهد اللّه إلى الناس : هو ما يعبر عنه بميثاق الفطرة .
( 4 ) الأنداد : المعبودين من دونه سبحانه وتعالى .
( 5 ) اجتالتهم : صرفتهم عن قصدهم الذي وجّهوا إليه بالهداية المغروزة في فطرهم .
( 6 ) كأن اللّه تعالى بما أودع في الإنسان من الغرائز والقوى ، وبما أقام له من الشواهد وأدلة الهدى ، قد أخذ عليه ميثاقا بأن يصرف ما أوتي من ذلك فيما خلق له ، وقد كان يعمل على ذلك الميثاق ولا ينقضه لولا ما اعترضه من وساوس الشهوات ، فبعث النبيين ليطلبوا من الناس أداء ذلك الميثاق .
( 7 ) دفائن العقول : أنوار العرفان التي تكشف للإنسان أسرار الكائنات ، وترتفع به إلى الإيقان بصانع -