ثم اختار سبحانه لمحمّد ( صلّى اللّه عليه واله ) لقاءه ، ورضي له ما عنده ، وأكرمه عن دار الدنيا ، ورغب به عن مقام البلوى ، فقبضه اليه كريما ( صلّى اللّه عليه واله ) ، وخلّف فيكم ما خلّفت الأنبياء في أممها إذ لم يتركوهم هملا بغير طريق واضح ، ولا علم قائم » « 1 » .
إنّ بشائر الأنبياء السابقين بنبوّة الأنبياء اللاحقين تنفع الأجيال المعاصرة لهم وكذا الأجيال اللاحقة ؛ إذ تفتح عيونهم وتجعلهم على أهبة الاستقبال للنبيّ المبشّر بنبوّته ، كما أنّها تزيل عنهم الريب وتعطيهم مزيدا من الثقة والاطمئنان .
على أن اليأس من الاصلاح إذا ملأ القلب يجعل الانسان يفكر بطرق أبواب الشّر والخيانة ، فالبشائر بمجيء الأنبياء المصلحين تزيل اليأس من النفوس التي تنتظر الاصلاح وتوجّهها إلى حبّ الحياة وقرع أبواب الخير .
وتزيد البشائر إيمان المؤمنين بنبوّة نبيّهم ، وتجعل الكافرين في شكّ من كفرهم ، فيضعف صمودهم أمام دعوة النبي إلى الحقّ ممّا يمهّد لقبولهم الدعوة .
وإذا أدّت البشارة إلى حصول الثقة فقد لا تطلب المعجزة من النبيّ ، كما تكون النبوّة المحفوفة بالبشارة أنفذ إلى القلوب وأقرب إلى الاذعان بها . على أنّها تبعّد الناس عن وطأة المفاجأة أمام واقع غير منتظر ، وتخرج دعوة النبيّ عن الغرابة في نفوس الناس « 2 » .
على أن الأنبياء جميعا يشكّلون خطا واحدا ، فالسابق يبشّر باللاحق ، واللاحق يؤمن بالسابق . وقد تكفّلت الآية ( 81 ) من سورة آل عمران بالتصريح بسنّة البشائر هذه . فضلا عن الشواهد والتطبيقات التي سوف نلاحظها في البحث الآتي .
هامش
( 1 ) أي أنّ الأنبياء لم يهملوا أممهم مما يرشدهم بعد موت أنبيائهم ، وقد كان من محمد ( صلّى اللّه عليه واله ) مثل ما كان منهم ، فإنّه خلّف في أمته كتاب اللّه تعالى حاويا لجميع ما يحتاجون اليه في دينهم ، كما خلّف أهل بيته المعصومين وجعلهم قرناء للكتاب المجيد كما صرّح بذلك في حديث الثقلين الذي تواتر عنه ( صلّى اللّه عليه واله ) ورواه جمع غفير من المحدثين .
( 2 ) محمد في القرآن : 36 - 37 .