ولكنّ روح التمرد والطمع في السلطان وقلّة الانضباط دفعت بعض العناصر إلى عدم التسليم التام لأمر النبي ( صلّى اللّه عليه واله ) ولعلّها كانت عارفة بالأهداف التي قصدها النبي ( صلّى اللّه عليه واله ) ومن هنا حاولت أن تؤخّر حركة الجيش المجتمع في معسكر « الجرف » . وبلغ النبي ( صلّى اللّه عليه واله ) ذلك فغضب وخرج - وهو ملتحف قطيفة ، وقد عصّب جبهته بعصابة من ألم الحمّى التي أصابته - إلى المسجد فصعد المنبر ثم حمد اللّه وأثنى عليه وقال : أما بعد أيها الناس فما مقالة بلغتني عن بعضكم في تأميري اسامة ، ولئن طعنتم في إمارتي أباه من قبله وأيم اللّه إن كان للإمارة لخليقا وإن ابنه من بعده لخليق للإمارة ، وإن كان لمن أحب الناس إليّ وإنّهما لمخيلان لكل خير « 1 » ، واستوصوا به خيرا فإنه من خياركم » « 2 » .
واشتدت الحمى برسول اللّه ( صلّى اللّه عليه واله ) ولم يغفله ثقل المرض عن الاهتمام الكبير لخروج الجيش فكان يقول : « أنفذوا جيش اسامة » « 3 » لكل من كان يعوده من أصحابه ويزيد إصرارا بقوله : « جهّزوا جيش اسامة لعن اللّه من تخلف عنه » « 4 » . وأوصل بعض المسلمين أنباء تدهور صحة النبي ( صلّى اللّه عليه واله ) إلى معسكر المسلمين في الجرف فرجع اسامة ليعود النبي ( صلّى اللّه عليه واله ) فحثّه النبيّ على المضيّ نحو هدفه الذي رسمه له وقال له : « اغد على بركة اللّه » .
فعاد اسامة مسرعا إلى جيشه يحثه على الرحيل والتوجه للقيام بالمهمة المخوّلة إليه ولكن المتقاعسين وذوي الأطماع في الخلافة تمكّنوا من عرقلة مسيرة الجيش زاعمين أنّ النبي ( صلّى اللّه عليه واله ) يحتضر ، بالرغم من تأكيد الرسول ( صلّى اللّه عليه واله ) بالتعجيل في المسير وعدم التردّد في المهمّة التي جعلها على عاتق جيش اسامة .
هامش
( 1 ) بمعنى أنهما ممن يتفرّس فيهما كل خير . والخوليّ : هو الراعي الحسن القيام على المال .
( 2 ) الطبقات الكبرى : 2 / 190 ، ط دار الفكر .
( 3 ) المصدر السابق .
( 4 ) الملل والنحل : 1 / 23 .