« وسبب الخلاف أن الشيعة كانوا يسعون لجعل الخلافة في آل الرسول صلّى اللّه عليه وآله وسلّم في ذرية علي عليه السّلام ويضعون الأحاديث تمهيدا لذلك ففطن لهذا الأمر العباسيون فاستمالوا بعضهم . ورأى أبو مسلم الخراساني وعصبيته أن آل علي يغلب عليهم الزهد وأن بني العباس كبني أمية في الطمع في الملك ، فعمل لهم توسلا بهم إلى تحويل عصبية الخلافة إلى الفرس تمهيدا لإعادة المجوسية . وحينئذ وضعت أحاديث المهدي مشيرة إلى العباسيين مصرحة بشاراتهم السوداء .
ولما انقضى أمر بني العباس وكانت الأحاديث قد دونت ، لم يسع القائلين بظهور المهدي إلا أن يقولوا : « إن الرايات السوداء هي غير رايات بني العباس .
على أن خصومهم قد رووا في معارضتها روايات ناطقة بأن رايات المهدي تكون صفراء ، وروايات في أن ظهوره من المغرب لا من المشرق » « 1 » .
ومنهم أحمد أمين في ضحى الإسلام حيث يقول : « وفكرة المهدي هذه لها أسباب سياسية ، واجتماعية ودينية ففي نظري أنها نبعت من الشيعة وكانوا هم البادئين باختراعها وذلك بعد خروج الخلافة من أيديهم . . . واستغل هؤلاء القادة المهرة أفكار الجمهور الساذجة المتحمسة للدين والدعوة الإسلامية ، فأتوهم من هذه الناحية الطاهرة ، ووضعوا الأحاديث يروونها عن رسول اللّه صلّى اللّه عليه وآله وسلّم في ذلك ، وأحكموا أسانيدها وأذاعوها ، فصدقها الجمهور الطيب ، وسكت رجال الشيعة لأنها في مصلحتهم . . .
إلى أن يقول : حديث المهدي هذا حديث خرافة ، وقد ترتب عليه نتائج خطيرة في حياة المسلمين . . . إمتلأت عقول الناس بأحاديث تروى وقصص تقص ، ونشأ باب كبير في كتب المسلمين اسمه الملاحم . . . وجعلت هذه الأشياء كلها أحاديث ، بعضها نسبوه إلى النبي صلّى اللّه عليه وآله وسلّم وبعضها إلى أئمة أهل البيت ، وبعضها إلى كعب الأحبار ووهب بن منبه ، وهكذا ، وكان لكل ذلك أثر سيئ في تضليل عقول الناس وخضوعهم للأوهام ، كما كان من أثر ذلك الثورات المتتالية في تاريخ المسلمين ، ففي كل عصر يخرج داع أو دعاة كلهم
هامش
( 1 ) تفسير المنار ، محمد رشيد رضا ، ج 9 ، ص 499 - 504 .