للرسل الا كالشعرة البيضاء في جلد الثور الأسود . . وفي الصحيحين ان النبي صلى اللّه عليه وسلم قال : يقول اللّه يا ادم ابعث بعث النار فيقول يا رب وما بعث النار فيقول من كل الف تسعمائة وتسعة وتسعون في النار وواحد في الجنة ، وعلى كل حال فإنه ليس في الحديث التصريح باسم المهدى ولا زمانه ومكانه ، ولا الايمان به ولا يمتنع كونه من جملة الخلفاء السابقين الذي استقام بهم الدين وبسطوا العدل في مشارق الأرض ومغاربها بين المسلمين وبين من يعيش معهم من المخالفين لهم في الدين . . وهذا الحديث هو من جملة الأحاديث التي يزعمونها صحيحة وليست بصريحة انتهى .
هذا هو التحقيق المعتبر الذي توصل اليه الشيخ ابن محمود لرد هذا الحديث . . وواضح انه لم يتطرق إلى ابداء علة في الاسناد لرده وانما درج في رده كما درج في رد غيره من الأحاديث على النهج الذي اتبعه بعض كتاب القرن الرابع عشر وهو الاعتماد على الشبه العقلية في رد النصوص الشرعية ويجاب على هذا التحقيق الذي جزم الشيخ ابن محمود بأنه معتبر بما أرجو ان يكون تحقيقا معتبرا وذلك فيما يلي :
أولا : قوله ان هذا الحديث هو من جملة الأحاديث التي يزعمونها صحيحة وهي ليست صريحة في الدلالة على المعنى الذي ذكروه إذ ليس فيها ذكر للمهدى ، جوابه أن المحدثين عندما يصححون الأحاديث أو يضعفونها يبنون احكامهم على منهج علمي دقيق لم تحظ به أي أمة من الأمم السابقة ولا يظفر به أحد ليس من أهل الحديث الا إذا سلك المسلك الذي سلكوه ومشى على النهج الذي رسموه وهو الاعتماد على الاسناد ومعرفة أحوال رجاله واتصاله أو انقطاعه وغير ذلك ، وهذا الحديث بهذا الاسناد ثابت عن رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم واسناده على شرط البخاري وقد سكت عنه أبو داود والمنذري وقال فيه صاحب عون المعبود شرح سنن أبي داود . .
الحديث سنده حسن قوى ، وقد روى هذا الحديث جماعة من الصحابة عن رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم منهم ابن مسعود وأبو هريرة وأم سلمة وأبو سعيد الخدري . رضى اللّه عن الجميع . . وقد تقدم حديث ابن مسعود رضى اللّه عنه في المثال الثالث وهذا الحديث بطرقه المتعددة عن الصحابة رضى اللّه عنهم يدل على أنه يلي امر المسلمين في اخر الزمان رجل من أهل بيت النبوة يسمى محمد بن عبد الله وهو وان لم يصرح فيه بوصف المهدى متفق مع النصوص الأخرى المصرحة بهذا الوصف وعلى ذلك درج أهل الحديث حيث أوردوا مثل هذا مما لم يصرح فيه بوصف المهدى وما صرح فيه بهذا الوصف في باب خروج المهدى كما فعل أبو داود والترمذي وغيرهما .
ثانيا : قوله : وعلى فرض صحته فإنه لا مانع من جعل هذا الرجل من جملة المسلمين الذين مضوا وانقرضوا واستقام عليهم أمر الدنيا والدين وجماعة المسلمين ، فقوله مما يحتمل ان يكون من أهل ديننا وملتنا جوابه ان الحديث صحيح واقعا لا فرضا ، ولا يصلح حمله على أحد مضى لأن علماء الحديث حملوه على المهدى الذي يخرج في اخر الزمان ويدل لكون المقصود ذلك الذي يكون في اخر الزمان الحديث نفسه وذلك في قوله : لو لم يبق من الدنيا الا يوم واحد وفي حديث ابن مسعود لطول اللّه ذلك اليوم . . وهو واضح في أن ذلك مراد به المهدى الذي يكون في اخر الزمان ولا يصلح حمله على أحد قبله ، أما لفظ « رجل منا » التي تأولها الشيخ ابن محمود رجلا من أهل ديننا وملتنا فهو ليس لفظ أبى داود كما يوهم ذلك ايراد الشيخ ابن محمود الحديث عنه وانما هو لفظ حديث على في مسند الإمام أحمد ، ولفظ الحديث عند أبى داود ( رجلا من أهل بيتي ) وهو موضح المراد من لفظ الحديث في مسند الإمام أحمد ؟
ثالثا : قوله : على أن ولجود رجل يملأ الأرض عدلا كما ملئت جورا يحتمل ان يكون من المحال ، فقد خلق اللّه الدنيا وخلق فيها المسلم والكافر ، والبر والفاجر . . كما قال اللّه تعالى :
« هُوَ الَّذِي خَلَقَكُمْ فَمِنْكُمْ كافِرٌ وَمِنْكُمْ مُؤْمِنٌ وَاللَّهُ بِما تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ »
لكون الدنيا دار ابتلاء وامتحان ، والمصارعة لا تزال بين الحق والباطل وبين المسلمين والكفار ، جوابه ان اللّه على كل شئ قدير ولا يستحيل على قدرة اللّه شئ . . هذا أولا وثانيا انه لا يلزم من قوله ( يملأها عدلا ) انقراض الشر ، فالشر موجود في زمن المهدى . . والصراع بين الحق والباطل قائم في زمانه . . وأعظم فتنة في الحياة الدنيا هي فتنة الدجال وخروجه على الناس . .
يكون في ذلك الزمان . . يوضح ذلك ان قوله : « كما ملئت جورا » لا يدل على انقراض