ثالثا : لا شك أن ما زعمه الشيخ محمد رشيد رضا من إنكار خروج المهدى في اخر الزمان خطا واضح وأخطر منه خطأه في إنكار رفع عيسى عليه الصلاة والسلام حيا إلى السماء ونزوله منها في اخر الزمان ولن أكلف نفسي في سرد كلامه ومناقشته وإنما أحيل إلى الرسالة التي ألفها في الرد عليه الشيخ محمد خليل الهراس رحمه اللّه والتي أسماها : « فصل المقال في رفع عيسى عليه السلام حيا وفي نزوله وقتله الدجال » قال فيها بعد حمد اللّه والثناء عليه : أما بعد فمنذ مطلع هذا القرن أو قبله وجدت جماعة تدعو إلى التحرر الفكري وتتصدر حركة الإصلاح الديني وتعمل لإحياء المفاهيم الدينية الصحيحة في نفوس المسلمين ولكنهم في سبيل ذلك عمدوا إلى إنكار كثير من المغيبات التي وردت بها النصوص الصريحة المتواترة من الكتاب والسنة الأمر الذي يجعل ثبوتها قطعيا ومعلوما من الدين بالضرورة ولا سند لهم في هذا الإنكار إلا الجموح الفكري والغرور العقلي وقد راجت بتأثيرهم تلك النزعة الفلسفية الإعتزالية التي تقوم على تحكيم العقل في أخبار الكتاب والسنة وعمت فتنتها حتى تأثر بها بعض الأغرار ممن تستهويهم زخارف القول وتغرهم لوامع الأسماء والألقاب لهذا رأيت من واجب البيان الذي أتخلص به من اثم الكتمان أن أضع الحق في نصابه فأبين لهؤلاء الشاردين عن منهج الرشد أن تلك الأمور التي يمارون فيها ثابتة ثبوتا قطعيا بأدلة لا تقبل الجدل ولا المكابرة وأن من يحاول ردها أو يسوغ الطعن فيها فهو مخاطر بدينه وهو في الوقت نفسه قد فتح بابا للطعن فيما هو أقل منها ثبوتا من قضايا الدين الأخرى وبذلك نكون أمام موجة من الإنكار لا أول لها ولا اخر وتصبح قضايا العقيدة كلها عرضة لتلاعب الأهواء وتنازع الآراء ثم ذكر الآيات في رفع عيسى عليه الصلاة والسلام حيا إلى السماء وفي نزوله ثم أورد الأحاديث في نزوله من السماء وقتله الدجال ثم أورد بعض الآثار بذلك عن الصحابة رضى اللّه عنهم وجملة من أقوال الأئمة والعلماء في ذلك ثم عقد عنوانا للرد على صاحب المنار قال فيه : والعجب من هذا الرجل الذي حمل لواء الدفاع عن الإسلام دهرا طويلا ضد خصومه والطاعنين عليه من أهل الأديان الأخرى ونافح مشكورا عن مذهب السلف في العقيدة وأحيا وجدد كثيرا مما درس من معاني الإسلام أقول العجب منه يسقط في هذه المسألة سقطة لا قاع لها ويلتوى في فهم الآيات والأحاديث التواء معيبا ويتأثر وهو من رجال الأثر بكلام أستاذه يعنى محمد عبده في هذه المسألة السمعية ولكيلا نكون متجنين على الرجل . . ننقل هنا عباراته بنصها ثم نناقشه فيها وبعد فراغه من مناقشته والرد عليه وعلى شيخه محمد عبده نقل جملة من رد الشيخ محمد حامد الفقى على شلتوت في انكاره رفع عيسى حيا ونزوله من السماء ثم ذكر جملة من كلام الشيخ عبد اللّه بن الصديق الغماري في الرد على شلتوت في ذلك أيضا .
ومن أسوأ ما نقله الشيخ محمد رشيد رضا عن شيخه محمد عبده وسكت عليه ولم يتعقبه قوله في تفسير المنار ج 3 ص 317 : وسئل عن المسيح الدجال وقتل عيسى له فقال : أن الدجال رمز للخرافات والدجل والقبائح التي تزول بتقرير الشريعة على وجهها والأخذ بأسرارها وحكمها وأن القران أعظم هاد إلى هذه الحكم والأسرار وسنة الرسول صلى اللّه عليه وسلم مبينة لذلك فلا حاجة للبشر إلى إصلاح وراء الرجوع إلى ذلك انتهى أقول :
وما دام أن الشيخ محمد رشيد رضا سقط هذه السقطة السحيقة في شأن عيسى عليه الصلاة والسلام فليس بمستغرب أن يسقط ويتردى في شأن المهدى .
16 - ذكر الشيخ ابن محمود في ص 20 :
أن محمد فريد وجدى صاحب دائرة معارف القرن العشرين ممن ضعف أحاديث المهدى ونقل كلامه في ذلك وأحب أن يضيف الشيخ ابن محمود إلى معلوماته أن محمد فريد وجدى في كتابه المذكور ج 8 ص 788 إعتبر جميع الأحاديث الواردة في الدجال موضوعة بناء على شبه عقلية وأكثر أحاديث الدجال في الصحيحين للبخاري ومسلم كما هو معلوم وما دام أن أحاديث الدجال على كثرتها في الصحيحين وفي غيرهما حظها من محمد فريد وجدى أن يبطلها بجرة قلم ويحكم عليها جميعها بأنها موضوعة ملفقة فمن باب أولى إبطال أحاديث المهدى لأنها دونها في الكثرة والصحة وقد يكون من المناسب هنا أن أناقش بإيجاز محمد فريد وجدى في شبهه العقلية الأربع التي اعتمد عليها في توهين أحاديث الدجال وقال عنها أنها لا تقبل المناقشة :
الإمام المهدي ( ع ) عند أهل السنة — صفحة 455
مساهمون: مهدي الفقيه ايماني
ص٤٥٥