يقول : ما قال ، إلى غير ذلك .
فكيف لم يكن كتاب اللّه حسبه في ذلك وشبهه ، فيهتدي للحق والصواب فلا يقع في المحضر ما غمّ رسول اللّه صلّى اللّه عليه وآله وسلّم حتى طردهم وأخرجهم من عنده ، ولم يوجد ما كان مانعا عن ضلالهم في نظره .
وربما يستشمم من هذا الكلام أن الضلال المذكور في كلامه صلّى اللّه عليه وآله وسلّم كان مرادا به الضلال عن أمر خاص كان القرآن هاديا إليه ، فأظهر أنّ الدليل الكتابي عليه موجود ولا نضلّ معه فلا يخشى إذ لو أريد العموم لم يكن وجه لذكر القرآن في مرحلة ذكر المانع عن مطلق الضلال وكل ضلال فيكون دليلا على أنّه عرف ما أردا أن يكتب ، فمنع مظهرا لعدم الحاجة إلى الكتاب ؛ فلاحظ .
وأمّا قوله الثاني فهو إعراض عنهم وترك لهم ومنع لخيره عنهم بما قابلوه بالإسائة والإنكار ، نظير الإعراض عن المشركين ، ونظير ترك الكفّار
ذَرْهُمْ يَأْكُلُوا وَيَتَمَتَّعُوا وَيُلْهِهِمُ الْأَمَلُ فَسَوْفَ يَعْلَمُونَ
« 1 »
هذا عَطاؤُنا فَامْنُنْ أَوْ أَمْسِكْ بِغَيْرِ حِسابٍ
« 2 »
بِأَنَّ اللَّهَ لَمْ يَكُ مُغَيِّراً نِعْمَةً أَنْعَمَها عَلى قَوْمٍ حَتَّى يُغَيِّرُوا ما بِأَنْفُسِهِمْ
« 3 » فقد استحقّوا الحرمان بما فعلوا .
وأمّا قول بن عباس في وصف الحاجز عن الكتاب « الرزية كل الرزية » « 4 » فمن أصدق الأقوال ، أي رزية أعظم قادحا عليهم من أمر يضلّ به من ضلّ من الأمّة في
هامش
( 1 ) الحجر : 15 ، الآية 3 .
( 2 ) ص : 38 ، الآية 39 .
( 3 ) الأنفال : 8 ، الآية 53 .
( 4 ) « مسند أحمد بن حنبل » ج 1 ، ص 324 و 336 ؛ « صحيح البخاري » الجزء الأول ، ج 1 ، ص 37 ؛ الجزء الخامس ، ج 3 ، ص 138 ؛ الجزء السابع ، ج 4 ، ص 9 ؛ الجزء الثامن ، ج 4 ، ص 161 ؛ « صحيح مسلم » الجزء الخامس ، ج 3 ، ص 76 ؛ « شرح نهج البلاغة » لابن أبي الحديد ، ج 6 ، ص 51 .