وكان أوائل القوم قريبا من الجحفة ، فأمر رسول اللّه أن يردّ من تقدّم منهم ، ويحبس من تأخّر عنهم في ذلك المكان ، ونهى عن سمرات « 1 » خمس متقاربات دوحات عظام أن لا ينزل تحتهنّ أحد ، حتّى إذا أخذ القوم منازلهم ، فقمّ ما تحتهنّ ، حتّى إذا نودي بالصلاة - صلاة الظهر - عمد إليهنّ ، فصلّى بالناس تحتهنّ ، وكان يوما هاجرا يضع الرجل بعض ردائه على رأسه ، وبعضه تحت قدميه ، من شدّة الرمضاء ، وظلّل لرسول اللّه بثوب على شجرة سمرة من الشمس .
فلمّا انصرف صلّى اللّه عليه وآله من صلاته ، قام خطيبا وسط القوم « 2 » على أقتاب الإبل « 3 » ، وأسمع الجميع ، رافعا عقيرته ، فقال :
« الحمد للّه ونستعينه ونؤمن به ، ونتوكّل عليه ، ونعوذ باللّه من شرور أنفسنا ، ومن سيّئات أعمالنا ، الّذي لا هادي لمن أضلّ ، « 4 » ولا مضلّ لمن هدى ، وأشهد أن لا إله إلّا اللّه ، وأنّ محمّدا عبده ورسوله .
أمّا بعد : أيّها الناس ! قد نبّأني اللطيف « 5 » الخبير : أنّه لم يعمّر نبيّ إلّا مثل نصف عمر الّذي قبله . وإنّي أوشك أن ادعى فأجيب ، وإنّي مسؤول ، وأنتم مسؤولون ، فماذا أنتم قائلون ؟ » .
قالوا : نشهد أنّك قد بلّغت ونصحت وجهدت ، فجزاك اللّه خيرا .
هامش
( 1 ) - [ « سمرات » جمع سمرة : شجرة الطلح ، و « الدوحة » : هي الشجرة العظيمة ، وسمّي يوم الغدير بيوم الدوح لأجل ذلك ] .
( 2 ) - انظر مجمع الزوائد للحافظ الهيثمي 9 : 106 .
( 3 ) - ثمار القلوب : 51 [ ص 636 ، رقم 1068 ] .
( 4 ) - [ في الأصل : « ضلّ » والصحيح ما أثبتناه ] .
( 5 ) - [ قيل : إنّ أحد معاني « اللطيف » : لطيف التدبير ، وكأنّه الأنسب بالمقام ؛ انظر مجمع البيان 4 : 128 ، ذيل الآية 103 من الأنعام ] .