واقع معاش ذاكرا لجلال شخصه ، وعظم شخصيّته ، وصفاتها وسماتها .
وكيف أنّه سيغيّب في صباه غيبتين : الأولى قصيرة ، والثانية طويلة ، وما سيتخلّل ذلك من أحداث وأمور تكون بمثابة اختبار وتمحيص لعموم الناس ليحيى من حيّ عن بيّنة ، ويهلك من هلك عن بيّنة ، وما سيترتّب عليهم من جرّائها من واجبات وأعمال ، حاثّا على ضرورة انتظاره والدعاء بالتعجيل لظهوره ، مبيّنا لعظم ثواب المنتظر ، وذلك ما أوضحه خاتم الأنبياء وسيّد المرسلين صلّى اللّه عليه وآله وسلّم ومن بعده آله المعصومون عليهم السّلام .
فالإسلام بطرحه لهذه الفكرة ، وعلى هذه الشاكلة ميّز بين الحالة المهدويّة التي طرحتها المذاهب المختلفة سابقا ، وبين حالة شخص المهديّ نفسه ، وبيّن أنّهما وجهان لحقيقة واحدة هي العقيدة المهدويّة ، إذ خلق حالة من الترقّب والانتظار لا بدّ وأن يعيشها المنتظر ، وعيّن له واجبات وأمورا عليه أن يتحلّى بها من طقوس عباديّة ، وممارسات أخلاقيّة ، وهذا ما تفتقر إليه طروحات المذاهب والأديان السابقة من حيث قوّة تأثيرها على المسائل الروحيّة قبل الأمور الماديّة ، بجعلها شخص الإمام المهديّ حقيقة معاشة يتعامل معها الفرد في كلّ لحظة من حياته ، والنظر إلى الفكرة المهدويّة من خلال هذه الشخصية العظيمة التي أرادها اللّه وحفظها وجعلها ذخرا ينتصر به لدينه الحنيف حتّى غدت أنموذجا فريدا ، رشحت منه الفكرة المهدويّة فقدّست لأجله ، فهذا قائد أكبر ثورة إسلاميّة عرفها التاريخ المعاصر أعني آية اللّه العظمى الإمام الخميني قدّس سرّه يخاطبه داعيا بقوله :
« أرواحنا لتراب مقدمه الفداء »
ونستوقفك أخي القارئ لإمعان النظر في هذا الفرق للتأمّل في عمق ومغزى الفلسفة الإسلامية ، ونظرتها الإنسانيّة الخالصة لمصلحة الفرد ومنفعة المجتمع ، فهي لا تكتفي بالتمنّي لإقامة مجتمع خال من العقد والأمراض والآفات على يد مصلح في يوم ما ، وإنّما تهيب بالفرد المسلم لأن يهذّب أخلاقه ، ويصقل روحه ، ويقوّم نفسه ، وهو يعيش حالة الانتظار بما يتناسب وعلوّ مقام ، وارتفاع شأن ، وعظمة
الملاحم — صفحة 3
مساهمون: ابن المنادي
ص٣