إدراكها الكامل لحاجتها إلى تلك الرسالة التي سيطبّق بنودها ، الموعود المنقذ الذي منحته السماء قوّة خارقة لتحقيق ما تصبو إليه من عدل ورخاء ومساواة .
وتلك الأديان والمذاهب على اختلافها تتشابه فيما بينها في أكثر صفات ذلك الموعود من حيث أنّه من سلالة النبيّين ، ويتمتّع بكلّ صفات الجمال والكمال ، وأنّه منزّه عن كلّ قبح وسوء .
« فسوشيانست » عند الزراد شتيّة هو من أحفاد زرادشت ، وسيحقّق بحكومته العصر الذهبيّ للتاريخ ؛ وعند اليهود هو من أولاد النبيّ داود عليه السّلام ، وأمّا « الفارقليط » عند المسيح فهو بمعنى المعلّم والشفيع الذي يجلب الراحة والسعادة ، بل هو عند بعضهم عيسى بن مريم عليهما السّلام نفسه .
كما أنّها تتشابه في سمات المجتمع قبل الظهور من حيث بلوغه القمّة في الإبتذال والتفسّخ ، وتفاقم الأوضاع سوءا ورداءة على مختلف الأصعدة .
وتتشابه أيضا في ذكرها لعلامات تسبق ظهور ذلك الموعود منها التغيّرات الطبيعيّة في أنظمة الكون ، واختلال حركة الشمس والقمر والنجوم ، وما يترتّب عليها من زلازل وسيول وقحط تطول أبعاد المجتمع ، وتهدّ أركانه المختلفة .
وأيضا تتشابه في صفة العالم بعد الظهور حيث تجمع على إقامة حكومة العدل الإلهيّة في مجتمع تعمّه الرفاهية ، وسيادة العدل في كلّ مظاهر الطبيعة تطبيقا لتلك الرسالة السماويّة كما جاءت بها الكتب المقدّسة من « أوستا » أو « إنجيل » أو « توراة » لتطبيق السعادة الأبديّة نظير ما تغنّى به أفلاطون في مدينته الفاضلة .
نخلص - أخي القارئ - من هذه العجالة المختصرة إلى أنّ فكرة المهديّ أو المصلح أو الموعود قد سبقت ديننا الإسلامي الحنيف ، إلّا أنّها كمحتوى ومضمون جاءت أكثر وضوحا وشمولا ضمن إطار العقيدة الإسلاميّة ، فبعد أن كانت مجرّد أمنية تداعب مخيلة الإنسان لبناء مجتمع تحكمه القيم والمعايير الإنسانيّة أصبحت جزءا من عقيدة سامية ، بل تحوّلت من تصوّرات إلى حقيقة صاغها الإسلام ضمن فكره الإلهي ، وأضفى عليها سمة الواقعيّة بعد أن أقرّ لها من سيترجم بنودها إلى
الملاحم — صفحة 2
مساهمون: ابن المنادي
ص٢