تخطي إلى المحتوى الرئيسي

الوسيط في أصول الفقه — صفحة 84

مساهمون:

ص٨٤
التي اعتبرها مالك بن أنس أن لا تمس المصالح المرسلة العبادات ، لأنّ أغلبها توقيفية ، وعلى هذا يكون الأذان الثاني أو الثالث بدعة محرّمة . وأمّا المصلحة المزعومة من عدم كفاية الأذان بين يدي الخطيب لإعلامهم فلا يكون مسوّغاً لتشريع أذان آخر ، وإنّما يتوصل إليه بأمر آخر . الرابع : أن يكون المورد ممّا ترك أمره إلى الحاكم الإسلامي ، ولم يكن للإسلام فيه حكم خاص ، وهذا كتجنيد الجنود وإعداد السلاح وحماية البلاد ، فإنّ القانون هو ما ورد من قوله سبحانه : (
وَأَعِدُّوا لَهُمْ مَا اسْتَطَعْتُمْ مِنْ قُوَّةٍ وَمِنْ رِباطِ الْخَيْلِ تُرْهِبُونَ بِهِ عَدُوَّ اللَّهِ وَعَدُوَّكُمْ
) . « 1 » وأمّا تطبيق هذا القانون الكلّي فهو رهن المصالح ، فللحاكم تطبيق القانون الكلّي على حسب المصالح ، وهذا كتدوين الدواوين ، وسك النقود ، فإنّ الحكم الشرعي فيها هو حفظ مصالح المسلمين وصيانة بلادهم من كيد الأعداء . وعلى هذا فالاستصلاح أو المصالح المرسلة تتحدّد بهذا القسم دون سائر الأقسام . الخامس : تشريع الحكم حسب المصالح والمفاسد العامّة ، فلو افترضنا أنّ موضوعاً مستجداً لم يكن له نظير في عصر النبي والأئمّة المعصومين ، وفيه مصلحة عامة للمجتمع ، كالتلقيح للوقاية من الجدريّ أو مفسدة لهم ، كالمخدّرات القتّالة فالعقل يحكم بارتكاب الأُولى والاجتناب عن الثانية فيمكن أن يكون الاستصلاح منشأ لكشف العقل عن حكم شرعي من دون أن يكون للمجتهد حقّ التشريع . وبذلك يظهر أنّ الاستصلاح لا يكون سبباً للتشريع ، وإنّما العقل ببركة تبعية الأحكام للمصالح والمفاسد القطعيّة ، يكشف عن الحكم الشرعي .
هامش
( 1 ) . الأنفال : 60 .