والدليل عليه هو انّ البدعة أمر محرم إجماعاً من غير خلاف ؛ وهي عبارة عن ادخال ما يعلم انّه ليس من الدين أو يشكّ انّه منه ، في الدين ؛ والاعتماد على الظن الذي لم يقم دليل على جواز العمل والإفتاء على وفقه ، التزام بكون مؤدّاه حكم اللّه في حقّه وحقّ غيره ، وهذا هو نفس البدعة ، لأنّه يُدخل في الدين ما يشكّ انّه من الدين .
وبعبارة أُخرى : انّ العمل بالظن عبارة عن صحّة إسناد مؤدّاه إلى الشارع في مقام العمل ، ومن المعلوم أنّ إسناد المؤدّى إلى الشارع والعمل به إنّما يصحّ في حالة الإذعان بأنّه حكم الشارع وإلّا يكون الإسناد تشريعاً قولياً وعملياً دلّت على حرمته الأدلّة الأربعة ، وليس التشريع إلّا إسناد ما لم يعلم أنّه من الدين إلى الدين .
قال سبحانه : (
قُلْ أَ رَأَيْتُمْ ما أَنْزَلَ اللَّهُ لَكُمْ مِنْ رِزْقٍ فَجَعَلْتُمْ مِنْهُ حَراماً وَحَلالًا قُلْ آللَّهُ أَذِنَ لَكُمْ أَمْ عَلَى اللَّهِ تَفْتَرُونَ
) . « 1 » فالآية تدلّ على أنّ الإسناد إلى اللّه يجب أن يكون مقروناً بالإذن منه سبحانه ، وفي غير هذه الصورة يعدّ افتراءً سواء كان الإذن مشكوك الوجود كما في المقام أو مقطوع العدم ، والآية تعمّ كلا القسمين ، والمفروض انّ العامل بالظن شاك في إذنه سبحانه ومع ذلك ينسبه إليه .
وقال سبحانه : (
وَإِذا فَعَلُوا فاحِشَةً قالُوا وَجَدْنا عَلَيْها آباءَنا وَاللَّهُ أَمَرَنا بِها قُلْ إِنَّ اللَّهَ لا يَأْمُرُ بِالْفَحْشاءِ أَ تَقُولُونَ عَلَى اللَّهِ ما لا تَعْلَمُونَ
) . « 2 » تجد انّه سبحانه يذم التقوّل بما لا يُعلم حدودُه من اللّه سواء أكان مخالفاً للواقع أم لا ، والعامل بالظن يتقوّل بلا علم .
هامش
( 1 ) . يونس : 59 .
( 2 ) . الأعراف : 28 .