تخطي إلى المحتوى الرئيسي

نقد الأصول الفقهية — صفحة 78

مساهمون:

ص٧٨
مدرك شرعي يدلّ على الامتناع نحكم بالصحة ، إذ فيما لم يتحقّق له مدرك شرعي دلّ على عدم الصحة ، فعدم المدرك مدرك شرعي لصحّته . وما ظهر دليل على امتناعه لا يجرى دليلنا فيه فنحكم بمقتضى ذلك الدليل ، وصوم يوم النحر من هذا القبيل . واللّه يقول وهو يهدى السبيل . تنبيه فيه توضيح : جريان هذا التحقيق فيما ينفكّ فيه الجهتان ظاهر لا سترة به . وأمّا فيما لا ينفكّ المنهى عنه عن المأمور به كصوم يوم النحر فخفى جدّا ، لأنّ متعلّق الامر فيه بعينه هو متعلّق النهى ، بمعنى انّهما ماهية واحدة إلّا انّه من حيث إنّه متعلّق الامر مطلق ومن حيث إنّه متعلّق النهى مقيّد . فربّما يتراءى فيه أن يحمل المطلق على المقيّد ، إذ النهى عن الفرد الخاص دليل على أنّ المراد بالمأمور به ليس الطبيعة الكلّية من حيث هي ، بل لخصوصية الأفراد مدخل فيه . وهذا بخلاف ما إذا انفكّت الجهتان ، فانّ المنهى عنه هناك ماهية أخرى غير الماهية المأمور بها . لكنّ الحقّ أنّ المطلق إنّما يحمل على المقيّد إذا لم يكن العمل بهما معا إلّا بذلك وهاهنا ليس كذلك ، إذ لا امتناع في أن يتعلّق الامر بالطبيعة الكلّية من حيث هي ويكون هي مطلوبة . ويكون الغرض في النهى عدم صدور خصوصية معيّنة من المكلّف مقارنا لذلك الطبيعة ، فلا احتياج إلى تقييد الامر المطلق بغير الفرد الذي يتحقّق في ضمن تلك الخصوصية . ولا فرق في ذلك بين ما ينفكّ المنهى عنه عن المأمور به . ومنشأ الفرق أمران : أحدهما توهّم ايجاد المتعلّقين في الثاني وقد عرفت فساده ، وثانيهما انّ الفرد المنهى عنه من الماهية الكلّية المأمور بها منصوص عليها في الثاني ، فيصلح لأن يقيّد اطلاق الامر بما عداه بخلافه في الأوّل ، فإنّه فيه داخل في اطلاق النهى كما هو داخل في اطلاق الامر ، فليس أحد المطلقين أولى بالتقييد من الآخر . وهذا أيضا لا يصحّح الفرق ، لأنّ مجرد وجود ما يصلح لأن يقيّد به المطلق لا يكفى في تقييده ، بل لا بدّ معه من دليل يوجبه لأنّه خلاف الأصل . ولا دليل فيما نحن فيه يوجب التقييد ، إذ يمكننا أن نعمل بالامر المطلق والنهى المقيد معا حينئذ مع بقاء الاطلاق على حاله ، ولم نجد منافاة كما عرفت . تنبيه فيه تفريع : لا يغرّنك مثل ما إذا امر الشارع بالطهارة ونهى عن الغصب فتطهّر المكلّف من الإناء المغصوب أو جعلها مصبّا لماء الطهارة أو تطهّر في المكان المغصوب ، فتظنّ أنّه يتفرّع على هذا الأصل كلّا . فإنّ متعلّق النهى فيها الّذى هو الغصب ليس نفس متعلّق الامر الّذى هو الطهارة ولا جزء منها ، بل هما حقيقتان متغايرتان ليس لأحدهما مدخل في وجود الأخرى . وإنّما وقع إحداهما مقارنا للأخرى مقارنة الجار لصاحب الدار ، ومقارنة اللازم التابع لحقيقة الملزوم المتبوع . وهذا بخلاف الصلاة ، فإنّ الكون في المكان والاستقرار عليه بالقيام والعقود والركوع والسجود جزء نفس ذات الصلاة المطلوبة للشارع . وأمّا الطهارة محقّقيتها مجرّد أجزاء الطهور على