تخطي إلى المحتوى الرئيسي

نقد الأصول الفقهية — صفحة 74

مساهمون:

ص٧٤
فتدبّر هذا مونقا وخذه ، فانّه تحقيق نفيس وبه يندفع شبهة الكعبي بانتفاء المباح لما هو مقرّر من أنّ ترك الحرام لا بدّ وأن يتحقّق في ضمن فعل من الافعال ولا ريب في وجوب ذلك الترك ، فلا يجوز أن يكون الفعل المتحقّق في ضمنه مباحا ، لانّه لازم للترك وممتنع اختلاف المتلازمين في الحكم . ووجه الدفع : إنّ اختلاف المتلازمين في الحكم ليس ممتنع كما عرفت . وتحقيقه : إنّ ترك الحرام لا يحتاج إلى شيء من الافعال بل يكفى فيه وجود الصارف ، وإنّما الافعال من لوازم الوجود حيث يقول بعدم بقاء الأكوان أو احتياج الباقي إلى المؤثّر ، وان قلنا بالبقاء والاستغناء جاز خلوّ المكلّف عن كلّ فعل فلا يكون هناك الّا الترك . واعلم أنّه لا بدّ للقائلين بوجوب المقدّمة من هذا التحقيق في دفع شبهة الكعبي رأسا ، وأمّا من لا يقول به هو من سعة من هذا وغيره « 1 » . تذنيب : اعلم أنّ بعضهم عدل عن قولهم : إنّ الأمر بالشئ يقتضى النهى عن الضدّ إلى قوله : إنّ الأمر بالشئ يقتضى عدم الأمر بالضدّ . والحقّ عدم الاقتضاء أيضا . وتحرير محلّ النزاع : إنّ هاهنا ثلاث احتمالات . أحدهما : أن يكون الوقت مضيّقا كالأمر بالصلاة في أوّل الزوال والأمر بقضاء الدين فيه ، ولا ريب في عدم جوازه لاستحالة التكليف بالمحال . وثانيهما : أن يكون موسّعا كالأمر بالصلاة من حين الزوال إلى الغروب والأمر بقضاء الدين في مجموع ذلك الوقت ، ولا شكّ في جوازه لإمكان أن يوقع أحدهما في جزء من الوقت والآخر في جزء آخر منه . وثالثها : أن يكون وقت أحدهما مضيّقا والآخر موسّعا كالأمر بالصلاة من حين الزوال إلى الغروب وبقضاء الدين في أوّل جزء من الزوال ، وهذا هو محلّ النزاع . لنا على جوازه : إنّه لا يمتنع أن يقول الشارع أوجبت عليك كلّا من الأمرين لكن أحدهما مضيّق والآخر موسّع . فإن قدّمت المضيّق فقد امتثلت وسلمت من الإثم ، وإن قدّمت الموسّع فقد امتثلت وأثمت بالمخالفة في التقديم . احتجّوا : بأنّه حين وجوب الصلاة إذا تحقّق وجوب القضاء على الفور يلزم تكليف ما لا يطاق ، وإن لم يتحقّق خرج الواجب عمّا ثبت له من صفة الوجوب الفورى . الجواب : منع لزوم تكليف ما لا يطاق كما عرفت . والحاصل انّ المرجع إلى وجوب التقديم و
هامش
( 1 ) - قد ذكروا في تقرير شبهة الكعبي أنّه ما من مباح إلّا وترك حرام ، فانّ السكوت للقذف والسكون ترك للقتل وترك الحرام واجب . ثم أورد عليه انّه ليس عين ترك الحرام ، غايته انّه لا يحصل إلّا به . وأجيب بأنّه وإن لم يكن عينه إلّا أنّه لا يتمّ الواجب الّا به وهو كاف . وقد نقض دليل الكعبي بأنّ الصلاة قد تكون ممّا يترك به الواجب فيكون حراما لا سبب الحرام فيكون حراما . إنّ جميع ما نقل يدلّ على أنّ مراد الكعبي انّ كلّ مباح ضدّ لحرام والضدّ لو كان مقدّما على ترك الآخر بالتقدّم الذاتي لكان سببا مستلزما لا شرطا مستلزما . فشبهة الكعبي كما يرد على القائل بوجوب المقدمة يرد على القائل بوجوب السبب فقط أيضا . ( حاشية الشيرواني على المعالم : ص 35 ؛ حاشية معالم الدين : 68 )