قال بعض المحققين « 1 » : « والتحقيق عندي في هذا المقام : أنّ فرض الاقتدار على استنباط بعض المسائل دون بعض على وجه يساوى استنباط المطلق لها غير ممتنع . ولكن التمسّك في جواز الاعتماد على هذا الاستنباط بالمساواة فيه للمجتهد المطلق قياس ، لا نقول به . نعم لو علم أنّ العلّة في العمل بظنّ المجتهد المطلق هي قدرته على استنباط المسألة أمكن الإلحاق من باب منصوص العلّة . ولكن الشأن في العلم لفقد النصّ عليها . ومن الجائز أن يكون هو قدرته على استنباط المسائل كلّها ، بل هذا أقرب إلى الاعتبار من حيث إنّ عموم القدرة إنّما هو لكمال القوة . فلا شكّ أنّ القوة الكاملة أبعد عن احتمال الخطأ من الناقصة ، فكيف يستويان ؟ سلّمنا ، لكن التعويل في اعتماد ظنّ المجتهد المطلق إنّما هو على دليل قطعي ، وهو إجماع الأمّة عليه وقضاء الضرورة به .
وأقصى ما يتصوّر في موضع النزاع أن يحصل ظنّ يدلّ على مساواة التجزّي للاجتهاد المطلق . واعتماد المتجزّى عليه مفض إلى الدور ، لأنّه تجزّ في مسئلة التجزّي ، وتعلّق بالظن في العمل بالظن . ورجوعه في ذلك إلى فتوى المجتهد المطلق وإن كان ممكنا لكنّه خلاف المراد ، إذ الفرض إلحاقه بالمجتهد ، وهذا إلحاق له بالمقلّد بحسب الذات وإن كان بالعرض إلحاقا بالاجتهاد . ومع ذلك فالحكم في نفسه مستبعد لاقتضاء ثبوت الواسطة بين التقليد والاجتهاد ، وهو غير معروف » .
انتهى كلامه .
وفيه : أنّ المجتهد مطلقا لو قلّد غيره في المسألة الّتى اجتهد فيها مع تحصيله الظن يلزم أن يعلم بالمرجوح ويترك الراجح ، على أنّ العمل بالراجح واجب بالضرورة . ومن هنا يعلم أنّ التعويل في اعتماد المجتهد المطلق على ظنّه إنّما هو قضاء الضرورة به ، وأنّه مشترك بينه وبين المتجزّى . إلّا أن يكون اعتماد المتجزّى على ظنّ المجتهد المطلق أكثر منه على ظنّه ، فيتعارض الرجحانان . وهذا يوجب تردّده في المسألة الّتى اجتهد فيها ، وهو مستبعد الوقوع .
وأمّا قوله « وأقصى ما يتصوّر ، إلى آخره » ففيه : أنّ الاجتهاد المختلف في تجزّيه إنّما هو الاجتهاد في الفروع دون الأصول ، كذا قيل . وفيه نظر . لأنّ كليهما ظنّى اجتهادىّ ، فما يجرى في أحدهما يجرى في الآخر . واللّه أعلم .
أصل : لا بدّ للمجتهد أن يعرف جميع ما يتوقّف عليه إقامة الأدلّة على المسائل الشرعية الفرعية ، أي يعرف من الكتاب والسنّة ومعاني الألفاظ لغة وشرعا وعرفا ما يتوقّف عليه استنباط الأحكام ولو بالرجوع إلى الكتب المعتمدة . ولا بدّ أن يكون عالما بمواقعها بحيث يتمكّن عند الحاجة من الرجوع إليها . ويعرف الناسخ والمنسوخ والاجماع والخلاف وأحوال الرّواة من
هامش
( 1 ) - وهو الشيخ حسن بن الشهيد الثاني في كتاب المعالم . ( معالم الدين : 233 )