كان وجود الواقع في كلّ واحد من تلك الأخبار مشكوكا ، فهذا العلم الإجمالي يوجب الاحتياط عقلا في جميع ما بأيدينا من الروايات الصحيحة ، وتوهم عدم منجزية هذا العلم الإجمالي لخروج بعض الأطراف عن الابتلاء واضح الفساد ، ضرورة ابتلاء المجتهد بتمام الأطراف لأجل الفتوى ، نعم ليس جميع الأطراف موردا لابتلاء غير المجتهد لعدم قدرته على الاستنباط . فقد ظهر ممّا ذكرنا أنّه لا يلزم لغوية الجعل ولا التمسك بالعام في الشبهة المصداقية .
[ في كون وجوب العمل بالخبر وكذا وجوب الاحتياط متمما للواقع ]
وأما كون الوجوب نفسيا فلأنّ المفروض وجوب العمل بخصوص المصادف ، ومن المعلوم أنّ المؤدى حينئذ هو الواقع ، فوجوب العمل بالمؤدى هو عين المؤدى لكونه متمما له كإيجاب الاحتياط الذي يكون عين الحكم الواقعي ، فإذا قال الشارع احتط في المال المردد بين كونه ملكا لك وبين كونه ملكا لغيرك يكون موضوع وجوب الاحتياط خصوص مال الغير الذي هو محتمل في ذلك المال دون مال نفسه ، لوضوح عدم حرمة تصرفه في مال نفسه ولو في حال الشك ، فالاحتياط المصادف موضوع لوجوب الاحتياط ، وعلى تقدير المصادفة وكون المال للغير ليس وجوب الاحتياط غير حرمة التصرف في مال الغير ، بل هو عينها ومتممها وإن تعدّد إنشاء ، إلّا أنّ الملاك في تعدّد الحكم ووحدته هو الاتحاد بحسب المناط دون الخطاب كما قرّر في محلّه ، فوزان وجوب الاحتياط الشرعي وزان وجوب العمل بالروايات في كون كلّ منهما متمما للحكم الواقعي ، ولذا يكون كلاهما نفسيين ، وأما كون هذا الوجوب ظاهريا فلأنّه مجعول في ظرف الشك وكلّ حكم كان كذلك يكون ظاهريا كما لا يخفى .
ولكن الإشكال على هذا المبنى ظاهر ، إذ فيه أولا : لغوية جعل وجوب الأخذ بالأخبار لكفاية العلم الإجمالي بوجود أحكام في الشريعة في وجوب الأخذ بالأخبار ، فإنّ هذا العلم الإجمالي كاف في إثبات وجوب العمل بالروايات من باب الاحتياط .