وانتقضت الحالة السابقة في أحدهما ، لعدم لزوم المخالفة العملية من جريانهما ، وإنّما اللازم من جريانهما الاجتناب عن الطاهر الواقعي مقدمة للاجتناب عن النجس الواقعي ، ولا ضير في ذلك ، وبعد انتقاله إلى سامراء المشرفة ذهب إلى عدم جريان الأصول التنزيلية مطلقا وإن لم يلزم منها مخالفة عملية لتضاد المجعول للمعلوم إجمالا ، فإنّ البناء التعبدي على كون أحد طرفي الشك هو الواقع ينافي العلم الوجداني على خلافه ، فإذا كانت نجاسة الإناءين معلومة سابقا ثمّ علم بانتقاضها في أحدهما فإنّ البناء على نجاستهما للاستصحاب ينافي العلم الوجداني بطهارة أحدهما ، فالقصور يكون في نفس الجعل لا في الدليل والإثبات كما عن الشيخ الأنصاري قدّس سرّه « 1 » ، فإنّه جعل المانع قصور الدليل حيث إنّ اليقين في أحدهما قد انتقض بيقين آخر قطعا ، وفي الآخر مشكوك الانتقاض ولم يعلم أنّه في هذا الإناء أو ذاك الإناء فيكون التمسك بالدليل لعدم الانتقاض تمسكا بالدليل في الشبهة المصداقية .
[ كلام الميرزا الكبير الشيرازي قدّس سرّه في التفصيل بين الأصول التنزيلية وغيرها ]
وبالجملة فالأصول التنزيلية مطلقا لا تجري لعدم إمكان جعل الأصول في الأطراف ، فلذا أفتى الميرزا الكبير الشيرازي قدّس سرّه بعدم جريان استصحاب النجاسة في الإناءين اللذين كانت حالتهما السابقة النجاسة ثمّ علم إجمالا بطهارة أحدهما ، بعد أن كان بانيا على جريانه فيهما حين مجاورته للنجف الأشرف وتبعه على ذلك جماعة منهم الميرزا النائيني قدّس سرّه وشدد النكير على ما أفاده الشيخ الأنصاري قدّس سرّه من كون المانع من جريان الأصول قصور الدليل .
ولا يخفى أنّ ما ذكره الميرزا الكبير ومتبعوه قدس اللّه أسرارهم من التفصيل بين الأصول التنزيلية وغيرها بناء على مبناهم من كون مفاد بعض الأصول التنزيل والإحراز في غاية المتانة ، ولكن الإشكال في المبنى إذ لم يثبت كون الاستصحاب مثلا محرزا ، بل لا يعقل الإحراز في الشك ، والمفروض أنّ موضوع الاستصحاب وغيره
هامش
( 1 ) فرائد الأصول / 429 .