فصل : دوران الامر بين النسخ والتخصيص
إذا ورد عام وخاص قبل وقت العمل بالعام
فلا إشكال في كونه مخصصا له ، سواء كان ورود الخاص مقدّما زمانا على العام أم مؤخرا عنه ، ولكن قبل وقت العمل بالعام ، لأنّ مناط بيانيّة الخاص ومخصصيّته للعام هو الأقوائيّة من حيث الظهور والدلالة ، ومن المعلوم تقدّم الأقوى على غيره مقدّما كان أو مؤخرا ، وبالجملة فيحكم بكون الخاص مخصّصا في جميع الصور إلّا في صورتين وقعتا موردا للبحث والإشكال :
إحداهما : ما إذا عمل بالعام ثم ورد خاص
، فقيل : بكونه ناسخا للحكم الظاهري المستفاد من العموم ومخصصا بالنسبة إلى الحكم الواقعي .
وفيه : أنّه مبنيّ على تصوير الحكم الظاهري والواقعي ، وقد بيّنا في محله استحالته ، لثبوت الحكم الواقعي بمقتضى إطلاقه لحال الشك فيلزم اجتماع حكمين على موضوع واحد وهو محال ، ولا ترتفع الاستحالة إلّا بتعدّد الموضوع كما حقق في محله ، نعم يكون العام حينئذ كأصل البراءة في الترخيص في ترك الواقع لمصلحة اقتضت ترك بيان الواقع وعدم تنجيزه بحجة ، وأما جعل حكم ظاهري في قبال الواقع فمن المستحيل . وعليه فيكون الخاص المتأخر وإن كان بعد العمل بالعام مخصصا له ، وقد ذكرنا سابقا أنّ عدم عمل السابقين إلّا بالعام لعدم ظفرهم بالخاص ليس بمحذور مانع عن جعل الخاص المتأخر مخصصا ، لما قلنا من نفي البأس عن ترك الواقع لمصلحة جابرة للمصلحة الواقعيّة الفائتة ، فالحكم الواقعي بالنسبة إلى جميع المكلفين واحد ، غاية الأمر أنّ المصلحة دعت إلى عدم بيان الخاص للسلف وعدم تنجيزه لهم بمنجّز ، وإلّا فالحكم في حق الجميع واحد .