فصل : [ في تعلق الأحكام بالطبائع ]
هل الأحكام تتعلق بالطبائع أم الأفراد ؟ وثمرة هذا البحث تكون صغرى لمسألة أصوليّة ، إذ لو كانت متعلقة بالطبائع فثمرتها تكون صغرى من صغريات التزاحم ، ولو كانت متعلقة بالأفراد فثمرتها تكون من صغريات النهي في العبادة ، وستتّضح هذه الثمرة في المباحث الآتية إن شاء الله تعالى .
أمّا تحرير محل النزاع فهو أنّ المراد بالطبيعة في المقام ليست هي الطبيعة من حيث هي هي لأنّها ليست منشأ للآثار الخارجيّة التكوينية كالمصالح والمفاسد الداعية لجعل الأحكام الشرعية ، بل المراد بها وجود الطبيعة الذي هو المنشأ للآثار بعد البناء على وجود الطبيعي في الخارج بعين وجود الفرد وكون نسبته إلى الأفراد نسبة الآباء إلى الأولاد لا نسبة الأب إلى الأولاد ، والمراد بالفرد هو لوازم الوجود والمشخصات الفردية ، فحينئذ يكون نزاع تعلق الأحكام بالطبائع أو الأفراد معقولا ، فإن كانت متعلقة بالطبائع بالمعنى الذي عرفته دون الأفراد - أي لوازم الوجود - فلا يسري شيء من الأمر والنهي من متعلقه إلى متعلق الآخر ، فيكون باب اجتماع الأمر والنهي من صغريات التزاحم لا التعارض ، لأنّ الصلاة مثلا في المكان المغصوب تكون من لوازم وجود التصرف المحرّم ، ضرورة أنّ التصرف في مال الغير لا يوجد في الخارج إلّا في ضمن الصلاة أو النوم أو غيرهما ، فلا يسري النهي عن وجود طبيعة التصرف إلى الصلاة التي هي من لوازم وجود التصرف ، كما إنّ الأمر لا يسري من الصلاة إلى التصرف الذي هو من لوازم وجودها ، لتوقف الصلاة على المكان كتوقفها على الزمان كما هو الشأن في كلّ مكاني وزماني محتاجين