وفيه : أنّه وإن سلّمنا نحن دلالة آية النفر على لزوم التقليد على العامّي بالدلالة الالتزامية ولكن لا نسلّم دلالتها على أنّها في مقام البيان ، حتّى من جهة اختلاف المنذرين في العلم والفضيلة مع اختلافهم في الفتوى .
ثمّ إنّه أجيب عن التمسّك بالإطلاق بأنّه على فرض صحّة التمسّك بالإطلاق فيتعارض كلّ واحد منهما مع الآخر في ظرف اختلاف فتواهما كما هو المفروض ، فيتساقطان ، فيكون المرجع هو الأصل ، وهو الاشتغال ؛ للشكّ في حصول الفراغ بالعمل بقول المفضول بخلاف العمل بقول الأفضل ؛ لأنّه يقينا يحصل به الفراغ .
إن قلت : ليس التساقط في باب تعارض الفتويين بالإجماع ، ولو كان مقتضى القاعدة هو التساقط لولا الإجماع .
قلنا : الإجماع دليل لبّي والقدر المتيقّن منه هو فيما إذا كانا متساويين ، فمفاد الإجماع هو التخيير في هذه الصورة . وأمّا لو كان أحدهما أفضل فلا إجماع على التخيير ، فمقتضى القواعد الأوّلية هو تساقطهما والرجوع إلى الأصل كما بيّنا .
وفيه أوّلا : أنّ مقتضى الأصل - على فرض التساقط - ليس هو العمل بقول الأعلم ، بل إمّا الاحتياط التامّ أو لا أقلّ من الأخذ بأحوط القولين ، وهذا غير ما يريده هذا القائل .
وثانيا : أنّه ليس التخيير في المجتهدين المتساويين عند اختلافهما في الفتوى من باب الإجماع ، بل من جهة أنّه من أوّل الأمر لا تعارض في البين ؛ لأنّ حجّية فتوى المجتهد على العامّي ووجوب رجوعه إليه ليس من قبيل « صدّق العادل » حتّى يكون عامّا أصوليا انحلاليا حتّى يقع التعارض في صورة اختلاف فتواهما .
منتهى الأصول ( طبع جديد ) — صفحة 813
مساهمون: السيد البجنوردي
ص٨١٣