فهاهنا خلافان : أحدهما في أنّها مترتّبة أو عرضية ، والثاني بعد الفراغ عن أنّها مترتّبة وبعضها مقدّم على بعض آخر وقع الخلاف في أنّ المرجّح الجهتي مقدّم على السندي أو العكس ؟
أمّا بالنسبة إلى الخلاف الأوّل : فقد ذهب صاحب « الكفاية » قدّس سرّه إلى أنّها عرضية ، ولا ترتيب بينها بناء على التعدّي من المرجّحات المنصوصة إلى غيرها ؛ إذ بناء على التعدّي يكون مناط الترجيح بشيء هو أن يكون ذلك الشيء موجبا لأقربية ذي المزية إلى الواقع ، فإذا كان لكلّ واحد من المتعارضين مزية توجب أقربيته إلى الواقع فيقع التزاحم بينهما ويقدّم الأقوى مناطا ، ولو لم يكن أحدهما أقوى فالمرجع إطلاقات التخيير ، هذا بناء على التعدّي .
وأمّا بناء على عدم التعدّي فلكونها مرتّبة وجه ، وهو الترتيب المذكور في الروايات .
ولكن أنت خبير : بأنّ المرجّح الصدوري طبعا مقدّم على مرجّح الجهتي والمرجّح المضموني ؛ لأنّه بعد التعبّد بصدور الخبر تصل النوبة إلى أنّه هل كان المتكلّم بصدد بيان مراده الواقعي أو صدر هذا الكلام عنه تقية وخوفا من الأعداء .
وبعبارة أخرى : استنباط الحكم الواقعي من الرواية متوقّف على أمور ثلاثة : أصالة الصدور وأصالة جهة الصدور وأصالة الظهور . والمتكفّل للأوّل أدلّة حجّية خبر الواحد كما تقدّم ، والمتكفّل لإثبات الثاني بناء العقلاء على أنّ كلّ متكلّم بصدد بيان مراده الواقعي لا أنّه تكلّم بهذا الكلام خوفا وتقية ، والمتكفّل للثالث أيضا بناء العقلاء وسيرتهم على أنّ ظاهر الكلام هو مرادهم في مقام تفهيمهم وتفهّمهم ومحاوراتهم .
والثاني والثالث - أي أصالة الظهور وأصالة جهة الصدور - من الأصول
منتهى الأصول ( طبع جديد ) — صفحة 776
مساهمون: السيد البجنوردي
ص٧٧٦