عن إدراك ذلك بالمرّة يوجب إفحام الأنبياء وسدّ باب إثبات الصانع وإبطال العلوم العقلية والنقلية .
والحاصل : أنّ إنكار الملازمة يتوقّف على إنكار إحدى المقدّمتين :
إحداهما : إنكار تبعية الأحكام للمصالح والمفاسد ، كما ذهب إليه الأشاعرة ، وعليه بنوا إنكار الملازمة . ثانيهما : إنكار إمكان إدراك العقل علل الأحكام ومناطاتها ولو بنحو الموجبة الجزئية . ونسب هذا إلى الأخباريين ، وعليه بنوا إنكار قاعدة الملازمة . وكلا الإنكارين ليس في محلّه ، بل واضح البطلان كما عرفت فلا نعيد .
ثمّ إنّ صاحب « الفصول » رحمه اللّه أنكر الملازمة الواقعية وقال بالملازمة الظاهرية ، وقال في وجهه : إنّ العقل لا يحيط بجميع جهات مناطات الأحكام ، بل ربّما يدرك المقتضي ويخفى عليه المانع ، وليس ما يسدّ هذا الاحتمال .
ففي كلّ مورد كان له حكم بالحسن أو القبح احتمال أن يكون هناك مانع عن تأثير ذلك الحسن في الوجوب ، وذلك القبح في الحرمة أيضا موجود ، ومع هذا الاحتمال لا يبقى مجال للملازمة الواقعية ؛ لأنّ الملازمة الواقعية تكون بين ما هو علّة تامّة للحكم معه ، لا بين ما هو مقتضي له مع احتمال وجود المانع عن تأثير ذلك المقتضي .
نعم ، لا بأس بأن يكون إدراك العقل لما هو المناط بنظره أمارة للحكم الشرعي ، فيكون بين إدراك العقل والحكم الشرعي ملازمة ظاهرية « 1 » .
وفيه أوّلا : أنّه من الممكن - بل هو الواقع الذي لا مناص منه - إدراك العقل بنحو الموجبة الجزئية لما هو المناط الواقعي والعلّة التامّة للحكم
هامش
( 1 ) - الفصول الغروية : 237 .