وقد نسب إلى الأخباريين منّا إنكار إدراك العقل حسن الأفعال وقبحها ، ولو بنحو الموجبة الجزئية وفي مورد واحد .
ولكن الإنصاف : أنّ عزل العقل بالمرّة عن إدراك الحسن والقبح ليس كما ينبغي ، بل ربّما يلزم منه إفحام الأنبياء ؛ إذ بناء على هذا يمكن صدور المعجزة على يد الكاذب ولا قبح فيه ، فلا يكون صدور المعجزة منه وعلى يده دليلا على نبوّته ، هذا .
مع أنّ بداهة العقل والفطرة تحكم بحسن بعض الأفعال كإطاعة المنعم وشكره ، وقبح بعضها الآخر كعصيانه وكفرانه . فإذا عزلنا العقل بالمرّة عن الإدراك فينسدّ باب إثبات الصانع ، ويبطل جميع العلوم العقلية بل النقلية أيضا .
البحث الثالث : في الملازمة بين حكم العقل والشرع
ومن جملتها : حكم العقل بالملازمة بين ما استقلّ العقل بحسنه ووجود المصلحة الملزمة فيه ، وبين حكم الشارع بوجوبه . وهكذا بين ما استقلّ بقبحه ووجود المفسدة فيه ، وبين حكم الشارع بحرمته . وقد أنكر هذا المعنى بعض الأصوليين وجماعة الأخباريين .
ولكن أنت خبير : بأنّ إنكاره بنحو السالبة الكلّية لا وجه له ؛ لأنّ إنكاره لا بدّ وأن يكون لأحد وجهين : إمّا من جهة عدم تبعية الأحكام للمصالح والمفاسد ، وإمّا من جهة عدم إمكان إدراك العقل لها ولو بنحو الموجبة الجزئية .
وقد عرفت فيما تقدّم : تبعية الأحكام للمصالح والمفاسد ، وأنّ التكاليف لا يمكن أن تتعلّق بشيء جزافا والإرادة التشريعية مثل الإرادة التكوينية في ذلك .
وعرفت أيضا : أنّ العقل بنحو الموجبة الجزئية يمكن أن يدرك المصالح الملزمة وحسن الأشياء والمفاسد وقبحها ولو في بعض الموارد . وعزل العقل