خلّي وطبعه - أي لو لم يوجد حادث زماني يوجب زواله وانعدامه - وقلنا : إنّ هذا المعنى هو الذي يعبّرون عنه بعمر الشيء .
وبناء على هذا المعنى : أغلب الأحكام الشرعية كلّيها وجزئيها قابل للبقاء ، سواء كان من الأحكام الوضعية أو التكليفية ، ما لم يوجد حادث زماني أوجب زواله .
فالطهارة في الماء الجاري أو البئر أو الكرّ قابلة للبقاء إلى الأبد ما لم يوجد حادث زماني يوجب زوالها - وهو تغيّر أحد أوصافه الثلاثة بالنجس - أو يحصل ما جعل غاية للحكم ، ففي بعض الموارد الشكّ في تحقّق الغاية أيضا بمنزلة الشكّ في الرافع .
ومنشأ هذا الإشكال : عدم فهم المراد من المقتضي في كلام الشيخ ، وتخيّل أنّ المراد منه ملاكات الأحكام ومناطاتها أو بمعنى ما هو مفيض الأثر ، الذي هو من أجزاء العلّة التامّة ، وقد عرفت أنّ الأمر على خلاف ذلك .
الثاني : أنّ هذا المعنى للاستصحاب يرجع إلى أنّ حقيقة الاستصحاب تنزيل المشكوك منزلة المتيقّن من حيث الجري العملي ، لا الشكّ منزلة اليقين .
فاليقين الوجداني زال على الفرض بالنسبة إلى بقاء المستصحب . وليس يقين تعبّدي في البين ؛ لعدم كون التنزيل بين الشكّ واليقين ، وإنّما وقع بين المشكوك والمتيقّن . فكيف يقوم الاستصحاب مقام القطع ، الذي اخذ في الموضوع على نحو الطريقية ؛ لأنّ وجوب ترتيب آثار المتيقّن على المشكوك ، الذي هو حقيقة الاستصحاب - بناء على هذا القول - ليس علما بالمستصحب ؛ لا وجدانا ولا تعبّدا ، بخلاف ما لو قلنا بأنّ النقض متعلّق باليقين وباعتبار نفسه .
فمرجع الاستصحاب إلى تنزيل الشكّ منزلة اليقين ، فيكون الاستصحاب يقينا وعلما تعبّدا . غاية الأمر من حيث الجري العملي على طبق المستصحب لا
منتهى الأصول ( طبع جديد ) — صفحة 515
مساهمون: السيد البجنوردي
ص٥١٥