وأمّا ما ذكره شيخنا الأستاذ قدّس سرّه من أنّ العقاب على الواقع المجهول قبيح في نظر العقل .
ففيه : أنّ هذا فيما لم يتنجّز التكليف عليه بواسطة الاحتمال وتركه الفحص ، وإلّا لا قبح فيه أصلا .
ولذلك يقال لتارك التعلّم الذي فعل المحرّم أو ترك الواجب ابتداء : « لما ما عملت ؟ » ، ولا يقال له ابتداء « لم ما تعلّمت ؟ » ، ولكن بعد اعتذاره عن مخالفة الواقع بقوله : « ما علمت » يجاب بأنّ هذا الاعتذار ليس بصحيح ، ويقال له « هلا تعلّمت ؟ » .
والحاصل : أنّ التكليف بواسطة حكم العقل وإرشاده إلى التعلّم والفحص يتنجّز ، وليس العقاب على كلّ واقع مجهول قبيحا ، بل فيما لا يمكن رفع جهله أو فيما جاء الترخيص من قبل الشارع في عدم لزوم رفع جهله .
وأمّا فيما حكم العقل بلزوم رفع الجهل حتّى يحصل له اليأس ، فإذا احتمل وجود التكليف الإلزامي مع هذا الحكم العقلي بلزوم الفحص ودفع الجهل ، ومع ذلك خالف العقل والنقل وارتكب الحرام الواقعي أو ترك الواجب الواقعي كيف يكون العقاب على مخالفة مثل هذا المحتمل قبيحا ؟ !
هذا كلّه بحسب مقام الثبوت .
وأمّا بحسب مقام الإثبات : فلا شكّ في أنّ أوامر وجوب التعلّم والفحص إرشادي محض ؛ لأنّ الحكم المولوي النفسي يحتاج إلى وجود مصلحة في نفس الشيء ، ومعلوم أنّه لا مصلحة في نفس الفحص إلّا حفظ مصلحة الواقع وعدم الوقوع في مفسدته بقدر الإمكان . والحكم الطريقي عبارة عن تعلّق الأمر بعين ما تعلّق الأمر الواقعي به عند الإصابة ويكون عذرا عند المخالفة .
مثلا الأمر بالاحتياط في الشبهة البدوية في باب الفروج والدماء بناء على
منتهى الأصول ( طبع جديد ) — صفحة 481
مساهمون: السيد البجنوردي
ص٤٨١