وأمّا ارتكاب الأقلّ - أي الأفراد المتيقّنة - فمشكوك حرمته ؛ لاحتمال أن يكون الفرد المشكوك المصداقية مصداقا واقعا ، فمع ارتكاب الأقلّ والاجتناب عن ذلك الفرد المشكوك لا يقطع بارتكاب الحرام ، فيكون بالنسبة إلى الأقلّ شكّا في التكليف ، فيكون مجرى للبراءة .
وأمّا لو كان تعلّق النهي بنحو صرف الوجود ، بمعنى أنّ المطلوب فيه يكون ترك صرف وجود الطبيعة ، الذي هو نقيض صرف وجودها ففرق بينه وبين الطلب الأمري ؛ حيث إنّه في طرف الوجود إذا كان صرف الوجود مطلوبا يصدق على أوّل وجود أيّ فرد من أفراد الطبيعة ويحصل به الامتثال ، بخلاف ما إذا كان المطلوب ترك صرف الوجود ، الذي هو نقيض صرف الوجود ، فإنّه لا يحصل إلّا بالاجتناب عن جميع الوجودات ، وإلّا يلزم اجتماع النقيضين ؛ إذ يصدق على أيّ وجود من وجودات الأفراد عنوان صرف الوجود . فلو صدق عليه ترك صرف الوجود يلزم ما قلنا من اجتماع النقيضين .
وهذا هو المراد بقولهم : إنّ عدم الطبيعة بعدم جميع الأفراد ، فارتكاب ما هو مشكوك الفردية يوجب الشكّ في الامتثال ، فيجب الاجتناب عنه من باب الاحتياط مقدّمة لحصول القطع بالامتثال .
ولكن يمكن أن يقال : إنّ مرجع هذا الشكّ أيضا إلى أنّ مفاد النهي هل هو ترك خصوص الوجودات المتيقّنة الفردية أم أوسع من ذلك ؟ فتعلّق النهي بالوجودات المتيقّنة الفردية معلوم ، وبالنسبة إلى الزائد عن هذا المقدار مشكوك ، فتجري فيه البراءة ، فتأمّل فإنّه لا يخلو من إشكال .
وأمّا ما يتوهّم من أنّ مرجع النهي عن صرف الوجود إلى النهي عن أوّل وجود للطبيعة ، وصدقه على وجود الفرد المشكوك مشكوك ، فتجري البراءة .
ففساده يظهر ممّا بيّنا في مفاد النهي عن صرف الوجود ، وأنّه ليس عبارة
منتهى الأصول ( طبع جديد ) — صفحة 302
مساهمون: السيد البجنوردي
ص٣٠٢