تنبيه قد علمت في بيان نستعين ان الإعانة انما تصدق على امر يكون للمعان وغايته عائدة اليه وعلمت أن الهداية من اللّه وفعله فلقائل ان يقول إن طلب الإعانة من اللّه شيء وطلب الهداية منه شيء آخر فكان الأولى ان يعطف اهدنا بالواو فيقال نستعين واهدنا كقولك اعنّى واهدني
والجواب انك قد علمت مما مر ان المراد من الهداية اعطاء العلم اليقيني المطابق للواقع المستلزم للعمل دائما ولا ينفك منه ابدا إذا اجتمع مع القدرة ولا ريب ان القدرة والهداية كلتيهما من اللّه وفعله واعطائهما اعانته تعالى وان العمل والعبادة فعل العبد فعلى هذا فيكون اهدنا الخ بيانا تفصيليا لنستعين فقد طلب العبد من اللّه الإعانة في العبادة مرتين مرة بالاجمال ومرة بالتفصيل فعلى هذا فذكر العبد أولا ان فعلى وفعل ما سواك عبادتك فقط لا غير عملا بقولك وما خلقت الجن والانس الا ليعبدون ثم ذكر فقره واحتياجه وفقر ما سوى اللّه وحاجته اليه تعالى وإلى اعانته في العبادة فقال وإياك نطلب الإعانة في العبادة بان تعطينا علما ملازما للعمل باجتماع القدرة معه فبيّن تعالى وتقدّس بكلمة إياك نعبد وإياك نستعين ان غاية الانسان وكماله العبادة المقرونة بعلمه بفقره واحتياجه إلى ربه في عبادته وغايته الملازم لطلب الإعانة وان الدعاء وحقيقة الطلب ليس الا هذا الدعاء وهذا الطلب اى طلب العصمة وروح القدس كما أن تمام نعمه وانعامه وحقيقة احسانه ايض ذلك ولذا قال صراط الذين أنعمت عليهم اى لا على غيرهم فافهم حقيقة الفهم والحمد للّه ولو سئل سائل فقال ان حاصل ما ذكرت ان غير المغضوب عليهم بمعنى المرضى وغير الضالين بمعنى المهتدى فلو قيل صراط الذين أنعمت عليهم المرضيين المهتدين لكان اخصر قلنا أولا ان قولك فلان مرضى نكرة اثباتية لا عموم فيها بخلاف فلان غير المغضوب عليه وكذا التفاوت بين فلان مهتدى وبين غير ضال وثانيا قد مرّ بيان دلالة كلام اللّه على أن اقسام الخلق أربعة الصراط المستقيم والسالك عليه والمقتدى به والمغضوب عليه الضال ولفظ المرضى والمهتدى قاصر عن إفادة ذلك وهو العالم ونحن الجاهلون