على الإحاطة المذكورة بالضّرورة وامّا القول بالاستحالة كما نسب إلى تغلب والأبهرىّ والبلخىّ ونظرائهم بناء على عدم ارادتهم منها الامتناع في العقول ذاتا أو عرضا بل عدم الضّمينة له بمقتضى جهة الوضع كما هو الظاهر فله وجه على القول بكون الوضع للمناسبات الذّاتية وقد مرّ الإشارة إلى ذلك في بيان ذاتيّة الوضع وامّا القول بالوجوب فلم ينسب إلى شخص معروف فيما رأيته فالظّاهر انّ مراد القائل به هو الوجوب على حذو وجوب وضع أصل اللّغة بمعنى انّ الجهة الباعثة على وضع اللّغات هي الباعثة على وضع المشترك كما هو مقتضى ادلّتهم المذكورة في كتب القوم وكيف كان فكلاهما لا يخلو ان عن الافراط والتّفريط
[ فصل : في علائم الحقيقة والمجاز ]
فصل في علائم الحقيقة والمجاز وهي أمور
[ منها : نصّ أهل اللغة والايراد في حجّية قول اللغوي ]
منها نصّ أهل اللّغة ذكره الكلّ وقيل ممّا لا خلاف فيه وتقييد بعضهم بالسّلامة عن المعارض ممّا لا وجه له إذ التّعارض مرحلة أخرى لا تنافى الحجّيّة بل تحقّقها لما سبق انّ المناط في الدّليليّة الاقتضاء لا الفعليّة وكيف كان فان أرادوا من أهل اللّغة الواضع كما هو مقتضى تعبير بعضهم به بدل أهل اللّغة ففيه اوّلا انّ حجيّة نصّ الواضع تتمّ في جانب الحقيقة لا المجاز لما سبق انّ المجاز تابع للعلاقة لا لنصّ الواضع وترخيصه الّا ان يراد به نفى احتمال الحقيقة وان كان التّجوز آتيا من جهة العلاقة فيتمّ بهذا المعنى في الجانبين إذ مقتضى رجوع امر الوضع اليه اتّباع قوله في كلّ من جانبي الاثبات والنّفى وثانيا انّه مجرّد فرض غير واقع إذ الخلاف في تعيين الواضع معروف ولو فرض انّه من البشر فغير معروف فأين النصّ المنقول منه وان أرادوا بهم أهل اللّسان فسأبيّن لك حالهم وان أرادوا بهم ائمّة علم العربيّة ومهرة فنّ اللّغة وان لم يكونوا من أهل ذلك اللّسان كما هو الظّاهر ويشهد به صريح كلماتهم في المقام ففيه اوّلا انّهم لم يتصدّوا لتمييز الحقائق عن المجازات كما يشهد به ملاحظة الكتب المؤلّفة في هذا الفنّ كالصّحاح والقاموس والمصباح وغيرها وانّما يعدّون موارد الاستعمالات الواقعية من أهل اللّسان فأين النّصّ منهم بانّ هذا حقيقة وذاك مجاز وثانيا لو فرض تنصيصهم بذلك لم يكن قولهم هذا حجّة لعدم استنادهم فيه إلى الحسّ إذ لم يسأل الواضع ولا شاهد الوضع أحد فليس هو الّا اخبارا عمّا لا طريق اليه الّا الاجتهاد والنّظر كما سبق تفصيله فالّذى يعتبر فيه قولهم هو نقل موارد الاستعمال وليس وظيفة اللّغوى الّا ذلك ولذا لم يتجاوزوا عنها ولم يزيدوا على مجرّد تعداد مواقع الاستعمال من دون تعرّض بانّ اللّفظ في ايّتها حقيقة وفي ايّها مجاز ولو فرض تعرّض واحد لذلك كان ذلك راجعا إلى اجتهاده بحسب نظره فلا يعتبر قوله فيه والّذى يسهّل الخطب سهولة الاجتهاد المؤدّى إلى العلم في اللّغات غالبا بمعنى انفتاح باب العلم في أغلبها فانّ أكثر موادّ اللّغات معلوم من العرف واللّغة لمن له أدنى خبرة بها وما ليس كذلك فيمكن تحصيل العلم فيها بالعلامات المقرّرة لمعرفة الحقيقة والمجاز من الاطّراد والتّبادر وغيرهما أو الرّجوع إلى أهل اللّسان الّذين لهم قوة تميز بين الأمرين فانّ أهل كلّ لسان بمقتضى فطرتهم السّليمة عالمون بأوضاع ألفاظهم المتداولة في محاوراتهم علما ضروريّا فطريّا ومن هذه الجهة يفيد قولهم كثيرا امّا العلم بالوضع